الأرشيف لـمايو, 2007

إدارة المخزون - مقدمة

 المخزون Inventory or Stock  هو من الأشياء التي لا يمكن الاستغناء عنها  في معظم المؤسسات فالشركات الصناعية تحتفظ بمخزون للمواد الخام ومستلزمات الإنتاج والمؤسسات الخدمية تحتاج لبعض المواد المستخدمة في هذه الخدمات مثل الأطعمة للمطاعم والملابس لمحلات الملابس وهكذا. ولكن التحكم في المخزون قد لا يلقى الاهتمام المناسب على الرغم من تأثير ذلك على أداء المؤسسة. فزيادة المخزون تُشكل مشكلة ونُقصان المخزون يشكل مشكلة أخرى. فنقصان المخزون يؤدي إلى تعطل الإنتاج بينما زيادة المخزون تعني عدم استثمار قيمة المخزون الزائد واستغلال مساحة تخزينية بدون فائدة. لذلك فإننا نواجه دائما مشكلة تحديد قيمة المخزون المثلى والوقت المناسب لإصدار أمر لتوريد للموردين والكمية المثلى لكل أمر توريد

لماذا نحتفظ بالمخزون

  • لمواجهة الطلب المحتمل على منتجاتنا: معظم المؤسسات تحتفظ بكمية من المنتجات النهائية لمواجهة طلبات العملاء. كذلك فإن بائعي الجملة والتجزئة يحتفظون بمخزون لمواجهة الطلبات المتوقعة من العملاء

  • لمواجهة الطلبات الفجائية أو الموسمية: قد يكون من الصعب أن تقوم المؤسسة التي تنتج منتجات مرتبطة بموسم الصيف -مثلا- أن تقوم بتصنيعها في الصيف فقط. لذلك تلجأ هذه المنتجات إلى التصنيع طوال العام وبالتالي يكون هناك مخزونا من المنتج في فصل الشتاء.

  • لكي لا تتأثر المراحل الإنتاجية ببعضها: عندما يكون لدينا مخزونا كبيرا من المنتجات النصف مصنعة فإن أي مشكلة في المرحلة الإنتاجية السابقة لن تؤثر على المرحلة التالية لأن هناك مخزونا يكفي لتشغيل المرحلة التالية لفترة طويلة. لاحظ أن سياسة تقليل الفاقد Just In Time تهتم جدا بتقليل هذا المخزون لزيادة اعتماد المراحل الإنتاجية على بعضها مما يُحفز العاملين على حل مشاكل الإنتاج

  • للاستفادة من وفورات الحجم: عندما نشتري كمية كبيرة من المواد الخام فقد نتمكن من الحصول على تخفيض في السعر. كذلك الحال عندما ننتج كمية كبيرة من نفس المنتج فإننا نتمتع بوفورات الحجم. لذلك فإن المؤسسات تلجأ لشراء كمية كبيرة من المواد الخام وتصنيع كميات كبيرة من نفس المنتج. لاحظ أن سياسة تقليل الفاقد تعتبر هذا تصرفا غير مفيد لأنه يؤدي لزيادة المخزون التي تؤدي لإهمال المشاكل الإنتاجية.

  • لمواجهة أمورا متوقعة: عندما تتوقع المؤسسات احتمالية زيادة أسعار المواد الخام فإنها تفضل زيادة مخزونها من هذه المواد. كذلك عندما تكون هناك احتمالية لتوقف إمداد المواد الخام فإن المؤسسات تحاول تخزين قدر ما من المواد الخام.

  • لطبيعة العملية الإنتاجية: العمليات الإنتاجية تستغرق وقتا وبالتالي فإنه في جميع الأحوال ستكون لدينا مواد تحت التصنيع في المراحل الإنتاجية

  • لطبيعة عمليات النقل: نظرا لان نقل المنتج النهائي من المورد إلى العميل يستغرق وقتا فإنه في هذا الوقت يكون من ضمن مخزون العميل أو المورد حسب اتفاقيات تسليم المنتج.

  • لأن عملية الشراء تستغرق وقتا: لكي نتمكن من شراء مواد خام فإننا ننتظر بعض الوقت حتى يتم التوريد. لذلك فإننا نحتفظ بمخزون يكفينا حتى تصلنا كمية أخرى من المواد

 هل هذه الأسباب تجعلنا نحتفظ بمخزون هائل؟ بالطبع لا فعلينا أن نحتفظ بالمخزون الضروري فقط. من المهم أن نلاحظ أن كل هذه الأسباب يمكننا تقليل تأثيرها على زيادة المخزون. فمثلا لو أمكننا دراسة السوق وتوقع طلبات العملاء بشكل جيد فإننا نستطيع الاحتفاظ بالمخزون الذي يكفي هذه الطلبات فقط. لو أمكننا تقليل فترة توريد المواد عن طريق تيسير عملية الشراء واستخدام تكنولوجيا المعلومات وبناء علاقات طويلة الأجل مع الموردين فلن نكون مضطرين للاحتفاظ بمخزون يكفينا لفترات طويلة. لو قمنا بتحسين أداء العمليات الإنتاجية والتغلب على مشاكلها فلن نحتفظ بمنتجات نصف مصنعة تكفي لعدة شهور بل سيكفينا مخزونا يكفي لوقت بسيط. لو قمنا بتقليل وقت تضبيط الماكينات لإنتاج منتج جديد فإننا لن نهتم كثيرا بأمر وفورات الحجم. كذلك الحال لو استطعنا تقليل تكلفة إصدار أمر توريد عن طريق العقود طويلة الأجل. كل هذه الامور تجعلنا نستطيع تقليل المخزون عن طريق التعامل الجيد مع هذه الأسباب.

أنواع المخزون

  •  مواد خام ومستلزمات إنتاج Raw Material

  •  مواد نصف مصنعة أو مواد تحت التشغيل  Work in Process

  • منتجات مصنعة أي المنتجات النهائية  Finished Goods

  •  قطع غيار لعمليات الصيانة والإصلاح للمعدات  Spare Parts

تكاليف مرتبطة بالمخزون

قد يتصور البعض أن المخزون هو وسيلة مساعدة للإنتاج ولذلك فينبغي توفير أكبر قدر من المخزون. هذا التفكير لا يلمس الحقيقة فهناك تكاليف كثيرة مرتبطة بالمخزون. هذه التكاليف تشمل تكلفة حفظ المخزون وتكلفة أوامر التوريد وتكلفة عدم استثمار رأس المال وتكلفة نقصان المخزون وغيرها. لابد من دراسة هذه التكاليف بعناية لمعرفة كيفية التعامل مع المخزون من حيث الكمية ووقت التوريد

أولا تكلفة التوريد:

  • تكلفة إصدار أمر توريد Orderign Cost: عند إصدار أمر توريد فإننا نتحمل بعض التكاليف الخاصة بأمر التوريد خلاف ثمن البضاعة التي نشتريها. هذه التكاليف تشمل تكاليف العمالة التي تعمل لعدة ساعات او أيام لتحديد المواصفات وطرح مناقصة ودراستها ومراسلة الموردين وما إلى ذلك. كذلك قد نتحمل تكاليف النقل وتكاليف التأمين وتكاليف الفحص

 ثانيا: تكلفة حفظ المخزون Carrying Cost:

  • تكلفة تجميد رأس المال Capital Cost: الأموال التي نشتري بها المخزون هي أموال متجمدة أي غير مستثمرة فعندما يكون لدينا مخزون قيمته حوالي عشرة آلاف درهم فإن هذا يعني أن لدينا عشرة آلاف درهم غير مستثمرة أي لا تدر ربحاً. أضف إلى ذلك أن هذا المخزون هو السبب في تقليل النقد المتاح بما يساوي قيمة المخزون. هذه التكلفة تزيد مع زيادة قيمة المخزون

  • تكلفة التخزين Storage Cost: لكي نقوم بتخزين قطع الغيار أو المواد الخام او المنتجات النهائية فإننا نتكبد تكلفة التخزين. هذه التكلفة تشمل إيجار المخازن وتكلفة العمالة المشرفة على التخزين وتكلفة الإضاءة وووسائل النقل داخل المخازن ومصاريف الحفاظ على المخزون في حالة جيدة من تدفئة أو تبريد أو ما شابه. هذه التكلفة تزيد مع زيادة المخزون

  • تكلفة هلاك المخزون أو تقادمه Obselence and Deterioration Cost: المخزون قد يُعاني التلف من طول التخزين أو سوء التخزين وقد يصبح المخزون قديما بما يجعله عديم القيمة. هذه التكلفة تسمى أحيانا تكلفة النخاطرة Risk Cost. هذه التكلفة تكون عالية في بعض أنواع المخزون مثل المواد الغذائية والمنتجات المرتبطة بتطور تكنولوجي سريع والمنتجات المرتبطة بتغير سريع في الأذواق

 ثالثا: تكلفة نفاد المخزون Stockout cost:

  • عندما يطلب العميل منتج ما ولا نستطيع تلبية طلبه بسبب نفاد مخزون المنتج النهائي أو مخزون بعض المواد الخام فإننا في الحقيقة نخسر الأرباح التي كان يمكننا تحقيقها. بالإضافة إلى ذلك فإن عدم توفر المنتج قد يجعل العميل يتجه لغيرنا من المنافسين ولا يُعاود التعامل معنا. في بعض الحالات قد نتمكن من تلبية طلب العميل ولكن العميل يضطر للانتظار ريثما يتم توفير طلبه وهذا يتسبب في عدم رضاء العميل عن خدماتنا وهو ما يؤثر على سمعتنا وعلى المبيعات المستقبلية. في بعض الحالات قد نضطر لدفع غرامة تأخير للعميل وقد نلجأ لتوريد بعض المواد الخام بشكل عاجل مما يتسبب في تحملنا لتكلفة أعلى. هذه التكاليف تزداد كلما زاد عدد العملاء الذين لا نستطيع تلبية طلباتهم أو الذين نتأخر في تلبية طلباتهم

 رابعا: تكلفة عدم كفاءة العملية الإنتاجية:

  • توفر المخزون يتسبب في التغاضي عن الأخطاء في العملية الإنتاجية وعدم تحليل المشاكل بجدية للقضاء على جذورها. فعندما تتسبب الأخطاء في تأخير تلبية طلبات العميل فإن هذه الأخطاء يتم الاهتمام بها ومحاولة القضاء عليها. أما عندما يكون لدينا الكثير من مخزون المواد الخام والمنتجات نصف المصنعة والمنتجات النهائية فإن مشكلات الإنتاج لا تظهر على السطح لأنها تكون مجرد فواقد ولكنها لا تتسبب في تأخير تلبية طلبات العميل. هذا الامر يحدث كذلك في مشكلات الصيانة فعندما تحدث مشكلة وتتكرر ويكون لدينا مخزون كبير من قطع الغيار لمواجهة هذه المشكلة المتكررة فإن المشكلة لا تلقى الاهتمام الكافي لأن العملية الإنتاجية لم تتوقف. أما عندما يكون المخزون قليلا فإن أي مشكلة تلقى اهتماما كبيرا لأن أي مشكلة ستسبب في توقف الإنتاج. كذلك فإن العاملين يكون لديهم حرص أكبر عندما يعلمون أن المخزون الذي لديهم محدودا. هذا الأمر هو أحد أركان سياسة تقليل الفاقد Just In Time والتي سوف أناقشها في مقالات منفصلة إن شاء الله. هذه التكلفة تزداد كلما زاد حجم المخزون عن الحجم الضروري

 كما ترى فإن زيادة المخزون عن الحد الضروري تتسبب في زيادة تكلفة حفظ المخزون وقد تؤدي إلى التساهل في الأخطاء في العمليات الإنتاجية. كذلك فإن نقصان المخزون عن الحد الضروري يؤدي إلى فقد جزء من المبيعات والتأثير سلبا على سمعة المؤسسة. أما زيادة عدد أوامر التوريد فإنه يؤدي لزيادة تكلفة التوريد بينما قلة عدد أوامر التوريد يؤدي إلى زيادة المخزون نظرا لتوريد كميات كبيرة في كل امر توريد. وفي جميع الأحوال فإنه كلما زاد عدد وحجم البنود المخزنة لكام تسبب ذلك في الحاجة لأنظمة معقدة للتخزين وإلى مساحات تخزينية كبيرة. لذلك يجب أن يتم التعامل مع المخزون بحرص لكي لا يزيد ولا يقل عن الحد المناسب

التحكم في المخزون كميزة تنافسية

لقد بلغ من أهمية التحكم في المخزون أن بعض المؤسسات استخدمت ذلك كميزة تنافسية. فشركة تويوتا اليابانية TOYOTA والتي اخترعت سياسة تقليل الفواقد JIT استهدفت تقليل المخزون بكافة أنواعه والذي أدى إلى تحسين العملية الإنتاجية وقلل من تكلفة المخزون وأصبحت تويوتا مثلا تحاول الشركات الأمريكية والأوروبية الاقتداء به. كذلك فإن شركة ديل للكومبيوتر DELL استخدمت التحكم في المخزون كميزة تنافسية وذلك بأنها انتهجت سياسية تفصيل الحاسوب على حسب رغبات العميل وعدم تصنيع حواسيب وتخزينها وإنما تقوم بتجميع الحاسوب عندما يقوم العميل بالتعاقد. هذا الأمر أدى إلى انخفاض تكلفة الحاسوب عن الشركات الأخرى التي تقوم بتخزين كمية كبيرة من الحواسيب التي تنتجها. كذلك فإن بعض المطاعم قد تلجأ لتقليل عدد الأصناف التي تقدمها لأن هذا يقلل من حجم المخزون الذي يتعرض للتلف. وعلى الجانب الآخر تلجأ مطاعم اخرى لتوفير أنواع كثيرة من الأطعمة والتضحية بالفاقد في المخزون في مقابل الحصول على مقابل أعلى من العملاء. هذه الأمثلة توضح لك أهمية التحكم في المخزون وأن الأمر ليس هامشيا بل هو أمر يؤثر بشكل واضح في أداء المؤسسة وله علاقة مباشرة بخلق ميزات تنافسية.

التحكم في المخزون بشكل جيد يتطلب تجميع بيانات وتحليلها وإجراء بعض العمليات الحسابية وبناء علاقات متميزة مع الموردين واستخدام تكنولوجيا المعلومات.فللتحكم في المخزون لابد من وجود توفع جيد لاحتياجات السوق في الفترة المقبلة ولابد من استخدام نماذج رياضية مناسبة لتحديد كمية التوريد ووقت التوريد. كذلك يستلزم الأمر وجود نظام للمعلومات لمتابعة حركة المخزون وتحديد الاحتياجات. ومن الأمور المرتبطة ارتباطا شديدا بالتحكم في المخزون العلاقة مع الموردين واختيارهم وتقييمهم. هذه الأمور سوف نناقشها إن شاء الله في مقالات قادمة.

من مراجع الموضوع:


Operations Management for MBAs, Meredith adn Shafer, Wiley, 2001

Production and Operations Analysis, Nahmias, McGraw-Hill, Fifth Edition, 2005

Operations Management, Slack et al, Finanacial Times, Second Edition, 1998

Production and Operations Management, Stevenson, IRWIN, Fifth Edition, 1996

Service Management, Fitzsimmons and Fitzsimmons, McGraw-Hill, Third Edition, 2000

Operations Management, Russel and Taylor III, Prentice Hall, Third Edition, 2000

16 تعليقاً

أخلاقيات العمل ضرورة إدارية

ناقشتُ في عدة مقالات سابقة أخلاقيات العمل في الخارج وكذلك أخلاقيات العمل من الناحية الدينية. ولكن الأمر لا يقف عند هذا الحد بل أخلاقيات العمل هي ضرورة إدارية. هذا ما أحاول توضيحه في هذه المقالة

على الرغم من أن كل شخص ينبغي أن يَتَحلَّى بأخلاقيات العمل فإن إدارة المؤسسة لابد أن تضع ضوابط وجزاءات تجعل الموظفين يلتزمون بأخلاقيات العمل. فقد تجد من الموظفين من هو مؤمنٌ بأخلاقيات العمل ومنهم من لايكترث بها. ولكن من مصلحة المؤسسة أن تجعل الكُل يلتزم بها بناء على لائحة أو ميثاق توضح أخلاقيات العمل من منظور المؤسسة بحيث تكون ملزمة لكل العاملين وبحيث تكون هناك عقوبة رادعة لمن يخالفها

العلاقة بين العاملين والإدارة

من الأمور المعلومة أن الثقة بين العاملين والإدارة لها علاقة مباشرة بزيادة إنتاجية العامل. فالموظف الذي يعلم أن إدارة المؤسسة ستقدر مجهوداته على المدى القريب والبعيد فإنه يَتَفانى في عمله. ولكن عندما يشعر الموظف بأن إدارة المؤسسة لا تََفِي بوعودها للعاملين فإن هذا يكون أمرا غير مُحفِّز له على تطوير العمل والإبداع وزيادة الكفاءة. لذلك فإن التزام المديرين بالصدق والأمانة والعدل والوفاء والرحمة مع العاملين يؤدي إلى ثقة العاملين في الإدارة وهو ما يؤدي إلى تحفيزهم على العمل ويوفر كثيرا من الوقت الضائع في الشائعات والشكوك والتفاوض.

قارن بين حالتين: حالة الإدارة الملتزمة بأخلاقيات العمل والإدارة غير الملتزمة بأخلاقيات العمل. في الحالة الأولى تجد ان وعود المديرين للعاملين مُصدَّقة بينما في الحالة الثانية تجد ان الوعود غير مُصدَّقة بل يكون الشك مُهيمناًعلى العلاقة بين العاملين والإدارة.في الحالة الأولى تجد كثيرا من العاملين يستمر في العمل لسنوات عديدة طالما كان الدخل مقبولا بينما في الحالة الثانية تجد العاملين يبحثون عن بديل باستمرار حتى وإن كان الدخل مرتفعا. في الحالة الأولى تجد العامل سعيدا في عمله ولديه ولاء لهذه المؤسسة المحترمة بينما في الحالة الثانية تجد العلاقة مبنية على المقابل السريع لأن المقابل بعيد المدى غير مضمون.

هذا الأمر يمتد تأثيره إلى العمالة التي قد تتقدم لوظائف بالمؤسسة. فالمؤسسة التي تتعامل بطريقة أخلاقية مع موظفيها تجتذب كفاءات سوق العمالة بينما المؤسسة التي لا تُبالي بهذه الأمور تُنَفِر الكثير من تلك الكفاءات.  تأثير ذلك على قدرات المؤسسة غنيٌ عن التفصيل. كذلك فإن أسلوب تعامل المؤسسة مع المتقدمين لوظائف يؤثر على الكفاءات التي تقبل التوظيف بها بل والتي تتقدم لها مستقبلا.

العلاقة بين العاملين

عندما يكون الصدق والتعاون الاحترام والأمانة هي الأخلاقيات المنتشرة بين العاملين وبعضهم البعض فإن هذا يؤدي إلى تَفجر طاقات العاملين لصالح العمل. بينما عندما تكون ثقافة الخداع والنفاق والإساءة للزملاء هي المسيطرة فإن كل عامل يكون على حذر من زميله ويتعاون معه بقدر ضئيل ويُخفي عنه الكثير من المعلومات وقد يكذب في التقارير التي يكتبها لرئيسه وهكذا. في الحالة الأولى يمكن تشكيل فرق عمل لحل المشاكل وتطوير العمل بينما في الحالة الثانية فإن فرق العمل تفشل لعدم وجود روح التعاون والثقة بين العاملين. في الحالة الأولى تجد أن بيانات العمل دقيقة وصحيحة بينما في الحالة الثانية تجد أن كثيرا من البيانات خاطئة وكثيرا من التقارير مُضلِّلة. في الحالة الأولى تجد الخبرة تنتقل من موظف لزميلة ولمرؤوسه وكذلك من جيل لجيل وبالتالي فإن العاملين دائما في حالة نمو وتطور وهو ما ينعكس على المؤسسة.

 بينما في الحالة الثانية تجد أن كل موظف  يُخفي معلوماته عن زميله وتجد الخبرة تَضِيع بانتهاء خدمة موظف ما وعلينا البدء من جديد. في الحالة الأولى تجد أن كل موظف مستعد لتحمل بعض الأعباء الإضافية بينما في الحالة الثانية تجد أن كل موظف يتجنب تحمل أي مسئوليات إضافية. في الحالة الأولى تُقابل أي مبادرة من أحد العاملين لتطوير العمل بالتِرحاب بينما في الحالة الثانية تقابل بالشكوك و بالتساؤل عن الأهداف الخفية لصاحب المبادرة. في الحالة الأولى يكون العمل هو الشغل الشاغل للعاملين بينما في الحالة الثانية تكون مهارات التغلب على مكائد الزملاء ومهارات إيقاعهم في المشاكل هي الهدف الأسمى لكل عامل

العلاقة مع الموردين

عندما تكون المؤسسة تتعامل مع الموردين بأسلوب أخلاقي فإن الموردين يُفضلون استمرار علاقتهم مع هذه المؤسسة. في هذه الحالة تكون العلاقة بين المؤسسة والموردين طويلة الأجل وتكون مبنية على الثقة والاحترام والمصالح المشتركة. هذا يُتيح للمؤسسة أن تطلب من الموردين تقديم أسعارا أفضل وجودة أفضل بل وتستطيع أن تطلب منهم تعديل أسلوب عملهم أو التكنولوجيا التي يستخدمونها للوصول إلى الجودة المطلوبة. كذلك فإن الموردين يكونون مستعدين للعمل يدا بيد مع موظفي تلك المؤسسة لتطوير منتجاتها. في هذه الحالة تستطيع الشركة ضمان الحصول على ما تريد من الموردين في الوقت المناسب وبالمواصفات المطلوبة. لا يخفى على القارئ ما يعود به كل ذلك على أداء المؤسسة

أما عندما تكون المؤسسة تتعامل مع الموردين بأسلوب غير أخلاقي كأن تؤخر سداد مستحقاتهم بغير حق أو تُعطيهم وعودا كاذبة أو لاتحاول التعاون معهم بأي صورة أو لاتحترم موظفيهم فإن العلاقة بين الموردين والمؤسسة تكون مبينية على المكسب السريع. فالمورد لا يضمن أن تتعامل معه المؤسسة مرة أخرى فيحاول الحصول على أعلى مقابل للمعاملة الحالية ويحاول أن يُقدم الخدمة بأقل تكلفة وهو ما قد ينتج عنه انخفاض الجودة. هذا المورد لا يكثرث برضاء تلك المؤسسة عنه على المدى البعيد لأن علاقته بتلك المؤسسة قد لا تمتد كثيرا.  بالطبع لن تستطيع تلك المؤسسة أن تطلب من الموردين ما تطلبه المؤسسة الأخرى التي لديها علاقة تعاون طيلة الأمد مع الموردين وبالتالي فلن تجد يد العون من الموردين لتطوير المنتج أو تقليل وقت التوريد أو تطوير طريقة العمل لدى الموردين وهكذا. كذلك فإن المؤسسة التي يكون موظفيها يتقاضون أجورا من مورديها أو يحصلون منهم على هدايا لا تنتظر الحصول حتى على حقوقها لدى هؤلاء الموردين. هذا بالطبع ناهيك عن أن يكون المورد هو نفسه الموظف

العلاقة مع العملاء

عندما تكون المؤسسة صادقة وأمينة في تعاملها مع العملاء فإنهم سيفضلون شراء منتجاتها لأن لديهم ثقة هذه المؤسسة. سيكون من اليسير أن تحصل المؤسسة على رأي العملاء عند محاولة تطوير خدماتها لأن العملاء يشعرون بنوع من الولاء لتلك المؤسسة. يستطيع عميل تلك المؤسسة أن يبني خططه على أساس وعود تلك المؤسسة كفترة التوريد أو مواصفات المنتج. سيقوم العملاء بالدعاية المجانية لتلك المؤسسة عندما يتحدثون مع أقرانهم عن المعاملة الاخلاقية التي تقدمها هذه المؤسسة وتجدهم يتحاكون عن مواقف جيدة حدثت لهم عند تعاملهم مع تلك المؤسسة

أما في الحالة المعاكسة فإن العملاء سينقلون استياءهم من تلك المؤسسة إلى أصدقائهم وزملائهم. وستجد العملاء لا يثقون في وُعود تلك المؤسسة ويتخوفون من أن تكون المواصفات المكتوبة على المنتج غير حقيقية وسيحتاجون للتأكد منها. هؤلاء العملاء سيفضلون التعامل مع مؤسسة أخرى لديها اخلاقيات في التعامل وبالتالي تكون تلك المؤسسة معرضة للخطر

العلاقة مع المستثمرين

عندما تُفكر في شراء أسهم لشركة ما فإنك تدرس موقفها المالي من حيث المكسب والخسارة وغير ذلك. ولكن هل تؤثر ثقتك في اهتمام الشركة بأخلاقيات العمل على تقييمك لأسهمها؟ بالطبع نعم، لأن الشركة التي تتميز بأخلاقيات العمل ستكون قوائمها المالية دقيقة وصادقة وباتالي تستطيع الاعتماد عليها، أما الشركة التي تتميز بخداع الموردين أو العملاء أو الموظفين فلن تََتَوَرَّع عن خِداع المستثمرين بتقديم بيانات مالية كاذبة. وبالتالي فإن أخلاقيات العمل تؤثر على فرص جذب مستثمرين وهو ما يقلل من فرص توسع الشركة وإدخال منتجات جديدة أو دخول أسواق جديدة

العلاقة مع المنافسين

عندما تتمتع المؤسسة بسمعة طيبة من ناحية اخلاقيات التعامل فإنه يمكنها التعاون مع المنافسين فيما يُحقق مصلحة مشتركة. فعلى الرغم من التنافس فإن هناك الكثير من الأمور التي يمكن أن يتعاون فيها المنافسون بما يعود بالنفع على كل منهما. مثال ذلك أن تتحد عدة شركات لكي تشتري مادة خامة كجهة واحدة وهو ما يعطيهم جميعا فرصة الحصول على سعر أفضل وجودة أفضل أو شروط دفع ميسرة لأن حجم الشراء يكون أكبر بكثير مما لو اشترى كل منهم على حدة وبالتالي يكون المورد حريصا على تقديم بعض التنازلات. كذلك قد يتعاون المنافسون بتقديم خدماتهم لعملاء المنافسين الذين يستطيعون خدمتهم بتكلفة أقل من المنافسين مثل التعاون بين شركات الطيران لنقل عملائهم على خطوط طيرانهم المختلفة وهو ما يقلل التكلفة على شركات الطيران ويزيد من المرونة في توفر المواعيد المختلفة. كذلك قد تتعاون الشركات لمواجهة منافس كبيرأو لتطوير تكنولوجيا ما أو غير ذلك.

هذا التعاون مع المنافسين لا يمكن تحقيقه عندما تكون المؤسسة لا تتميز بالمحافظة على أخلاقيات العمل لأن المنافسين سيقابلون أي مبادرة للتعاون بالتوجُس والشك والحذر. وبالنالي تخسر تلك المؤسسة كل هذه الفرص للتعاون المفيد مع المنافسين

علاقة أخلاقيات العمل بسياسات الإدارة الحديثة

كما ترى فإن أخلاقيات العمل تساعد المؤسسة على اتباع أساليب الإدارة الحديثة والعكس صحيح. فالمؤسسة الأخلاقية تستطيع أن تطبق سياسات مثل  Jusy In Time لأنها تستطيع التعاون مع الموردين لتوريد المواد الأولية في الوقت المناسب وتستطيع تكوين فرق عمل وتستطيع الاعتماد على المشغلين لضبط الجودة وتستطيع حل مشاكل المعدات وهكذا. كذلك فإنها تستطيع تطبيق سياسة Total Productive Maintenance  أو الصيانة الإناتجية الشاملة لأن روح التعاون بين التشغيل والإنتاج ستكون متوفرة أصلا وسيكون بإمكانها تكوين مجموعات صغيرة لحل مشاكل المعدات وسيكون لدى المشغلين الحماس لتنظيف المعدات بانفسهم وهكذا. هذه المؤسسة تستطيع أن تكون لديها سرعة في اتخاذ القرار ومرونة عالية لأنها تستطيع الثقة في المرؤوسين وبالتالي لا تحتاج لأن يتم اعتماد القرار من سلسلة طويلة من المديرين. هذه المؤسسة تستطيع تشكيل فرق عمل لتطوير المنتجات أو الخدمات وتستطيع تكوين تحالفات استراتيجية Strategic Alliances مع الموردين والمنافسين. اتباع اخلاقيات العمل تساعد كذلك على دراسة المشاكل بالأساليب الحديثة وتطبيق نظم مثل Six Sigma لأنه يمكن الرجوع لبيانات تاريخية دقيقة وصادقة. أما المؤسسة التي لا تكترث بأخلاقيات العمل فإن كل تلك السياسات لايكون لها فرص نجاح كبيرة بها. فلا يمكن تطبيق أياً من أساليب التفكير الجماعي مثل عصف الذهن ولا يمكن تشكيل فرق عمل و لايمكن دراسة المشكلات بناء على بيانات صحيحة ولا يمكن الثقة في أحد……

إرساء أخلاقيات العمل في المؤسسة

اتباع الأخلاق هو أمر يجب أن يحرص عليه كل شخص ولكن إدارة المؤسسة لن تعتمد على مدى التزام العاملين بأخلاقيات العمل بناء على قناعاتهم الشخصية بل هي بحاجة لأن تُلزمَهم بذلك كجزء من مُتطلبات العمل. فكما أوضحت فإن عدم الالتزام بأخلاقيات العمل يؤثر على أداء المؤسسة وبالتالي فلابد لها من الحرص على تطبيقها. لذلك فإنه من الضروري تحديد ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي في عُرف المؤسسة لكي يلتزم به الجميع. في غياب ذلك فإن كل موظف يكون له مقاييسه الشخصية والتي تختلف من شخص لآخر.

كذلك فإنه لا بد من التعامل بحزم مع كل إخلال بهذه الأخلاقيات. لابد أن يتم التعامل مع الكذب في التقارير وفي البيانات وفي التعامل بكل حزم. لابد أن تُعامل روح العداء والإيذاء بين العاملين بالجزاء الرادع. لا يمكن ترك كل موظف يتصرف حسب ما اعتاد عليه فلا يمكن ترك الموظفين يتبادلون الألفاظ البذيئة أو يَحِيكون المؤامرات لبعضهم. لا يمكن أن يتم التعامل مع من لا يحترم اخلاقيات العمل بتهاون فهذا يجعل الجميع يسلك نفس المسلك. لا يمكن أن تقبل أن يكون العاملين لهم مصالح متداخلة مع مصالحة المؤسسة. لا يمكن أن تقبل أن تكون روح العداء هي المنتشرة بين العاملين. لا يمكن أن تقبل أن يخدع موظفا عميلا أو موردا أو مُتقدم لوطيفة. لا يمكن ان تقبل إدارة المؤسسة أن يأخذ العاملين هدايا قيِّمة من الموردين أو العملاء. يجب أن يتم التعامل مع كل أمر يخص أخلاقيات العمل بكل شدة مهما كانت رتبة الشخص المخالف

الحِرص على أخلاقيات العمل هو أمرٌ أخلاقي وديني وإداري. مع الأسف فإن إهمالنا لأخلاقيات العمل يجعل العاملين لا يتعاونون والشركات لا تثق في بعضها والكل يبدأ بسوء الظن ولا يمكننا الاستفادة من خبرات بعضنا. أخلاقيات العمل ضرورة للتطور. لابد أن تكون لأخلاقيات العمل أولوية أكبر بين موظفينا ومُديرينا.

مواضيع ذات صلة في هذا الموقع:
أخلاقيات العمل والإدارة
أخلاقيات العمل عند الأجانب
أخلاقيات العمل والإدارة في الإسلام

13 تعليقاً

« الإدخالات السابقة