الأرشيف لـفبراير, 2008

توسيع مدى الإدراك

هل يمكنك أن ترى الأشياء من الأمام ومن الخلف ومن الداخل في نفس الوقت؟ هل تستطيع أن ترى واجهة المبنى وداخله وخلفه في آن واحد؟ عندما تكون في داخل حجرة هل يمكنك أن تراها من الخارج؟ عندما تزور منزلا لصديق لك هل تراه بنفس النظرة التي تنظر بها لمنزل تريد أن تسكن فيه؟ هل ترى تفاصيل الأشياء البعيدة؟ هل نظرتك إلى حديقة جميلة وأنت حزين مشابهة لنظرتك لنفس الحديقة وأنت سعيد؟

لماذا كانت الإجابة لكل هذه الأسئلة هي “لا”. لأن نظرنا محدود بحدود كثيرة.

  • لا يمكننا الرؤية من خلال الحوائط
  • يمكننا رؤية تفاصيل الأشياء القريبة فقط
  • لا يمكننا رؤية الأشياء من الأمام والخلف في نفس الوقت
  • نظرتنا للأمور تختلف حسب حالتنا المزاجية
  • نظرتنا للأمور تختلف حسب علاقتنا بالأمر

see2.jpg

 في الشكل أعلاه تلاحظ أن الشخص “أ” يرى المبنى من الأمام بينما الشخص “ب” يراه من الخلف. أما الشخص “ج” فيراه من الداخل بينما الشخص “د” يراه من الجانب. وعن بُعد يرى الشخص “ف” المبنى من زاوية أخرى. كل واحد من هؤلاء يرى شيئا مختلفا عن ما يراه الآخر وكلها أشياء تخص هذا المبنى. لا تستطيع أن تقول أن أحدهم يرى أفضل من الآخر فكل منهم يرى شيئا مكملا لما يراه الآخر.

هل هذا درسٌ في الطب؟ لا ولكنه أمر متعلق بالإدارة فلأن نظرنا محدود بحدود كثيرة فإنه يترتب علينا بذل مجهود وربما إنفاق المال لكي نرى الأشياء من كل الزوايا ونراها بمختلف النظرات.  فكل منا يرى  الأشياء القريبة من زاوية محدودة ولكل منا علاقته بهذه الأشياء التي تجعل نظرته مختلفة. فالشركة المنتجة ترى المنتج من زاوية محدودة بحكم كونها الشركة المنتجة ولكن هذه الرؤية تختلف عن رؤية العميل فالعميل علاقته بالمنتج مختلفة. لكي نستطيع تطوير المنتج لابد أن نعرف كيف يراه العميل وما هو الذي أعجبة ولم يعجبه في المنتج بالإضافة إلى ما نعرفه نحن كمنتجين عن المنتج نفسه. أي أننا بحاجة لتوسيع رؤيتنا لتشمل رؤية العميل كذلك.

ماذا تفعل إذا أردت أن تشتري أو تستأجر منزلا؟ هل تنظر إليه من الداخل فقط أم تدور حول المبنى لكي تراه من كل الجوانب وقد تطلب من صديق أو قريب أن يأتي معك لكي يرى المنزل؟ لماذا تفعل ذلك؟ لأنك تعرف أنك تحتاج إلى النظر من كل الجوانب ولأنك تعرف أن نظرة شخص واحد قاصرة وأن رؤية صديقك قد تختلف عنك. ولكننا مع الأسف قد نتصرف بطريقة مختلفة في العمل وننسى أننا نرى من جانب واحد فقط وننسى أننا بحاجة لرؤية الجوانب الأخرى.

في الأقسام التالية من هذه المقالة أعطي أمثلة إدارية تكون فيها الحاجة واضحة لتوسيع الإدراك ورؤية كل الجوانب.

مديري المؤسسة والمنتج

 كيف يرى مدير المؤسسة المنتج الذي تنتجه هذه المؤسسة؟ وكيف يرى مدير التصنيع المنتج؟ وكيف يرى مدير التسويق المنتج؟ وهل نظرتهم هي نفس نظرة العميل؟ إن مدير المؤسسة يراه من زاوية تختلف عن الزاوية التي يرى منها مدير التصنيع والتي  تختلف كذلك عن زاوية مدير التسويق وكلهم يختلفون عن زاوية العميل. لذلك فإن كلا منهم يرى شيئا مختلفا. فمدير المؤسسة يرى المنتج من وجهة نظره والتي قد تختلف كثيرا عن رؤية المستهلك وهو كذلك يرى المنتج من الناحية المادية والتصنيعية وليس عجيبا أن يشعر بحُبٍ تجاه منتجه. مدير التصنيع يرى تفاصيل العملية الصناعية ولكنه لا يرى الناحية المالية ولا يرى العميل ولا يعرف شعوره عند استخدام المنتج. مدير التسويق يرى بعضا من هنا وبعضا من هنا. أما العميل فهو لا يعرف شيئا عن تصنيع المنتج ولا يهتم بالأمور المالية للمؤسسة ولكنه يهتم باستخدام المنتج وسعره.

see4.jpg

إذن فكل منهم يرى شيئا محدودا. العميل بالطبع لن يهتم ولن يفيده أن يرى الزوايا الأخرى. أما العاملين في المؤسسة فهم بحاجة شديدة لمعرفة ما يراه العميل لأن هذه هي الوسيلة لتطوير المنتج بل ولتقديم منتجات أخرى. لذلك فإن الشركات الجادة تقوم باستمرار بسؤال العملاء عن رضائهم عن الخدمة وتقييمهم لها. وتقوم كذلك بملاحظة إقبال العملاء على منتجهم وقد تعقد حلقات Focus Groups لمناقشة العملاء في منتجهم او منتجاتهم القادمة. وهناك ما يعرف باختبار السوق Market Test حيث تقوم الشركة باختبار منتجها عن طريق بعض العملاء.

رؤية المنتج من زاوية العميل هو أمر أساسي وإلا سيطرت علينا نظرتنا نحن والتي تختلف كثيرا عن نظرة العميل. نحن نرى المنتج من ناحية وهو يراه من نواحٍ أخرى. فكيف نستطيع إرضاءه ونحن لا نرى ما يراه؟ إن الحصول على معلومات من العملاء هو أمرٌ مهم جدا وينبغي أن نبذل فيه الوقت والمال. فبعض الشركات قد تقوم بتغيير الخدمة وتطويرها ولا تهتم بسؤال العملاء لا قبل ولا بعد التغيير وقد يتصور مدير الشركة أنه قد قام بتطوير هائل في حين أن العميل يشعر أن الخدمة قد ساءت.

المدير والمرؤوسين

هل يرى المدير قراراته الإدارية بنفس الطريقة التي يرى بها المرؤوسين تلك القرارات؟ إن المدير يرى قراراته من حيث أنها من إنتاجه فهو يميل دائما إلى كون قراراته صحيحة وهو كذلك يراها بناء على ما كان متاحا له من معلومات وقت اتخاذ القرار. والمرؤوسين يرون القرار من حيث تأثيره عليهم وبناء على ما هو متاح لهم من معلومات والتي قد تكون مختلفة عن تلك التي كانت متاحة للرئيس عند اتخاذ قراره.

see6.jpg

المدير يحتاج أن يرى القرار من زاوية المرؤوسين لكي يعرف صحة قراره من عدمه. لكي يرى القرار من زاوية المرؤوسين فإنه يمكنه اتباع أمور عديدة منها:

  • أن يسألهم بشكل مباشر قبل اتخاذ القرار
  • أن يسألهم بعد اتخاذ القرار بفترة ليعرف النتائج وتأثير القرار أو انطباعاتهم
  • أن يلاحظ تأثير القرار عليهم او على العمل

إن المدير عندما يظل يتخذ القرارات بدون أن يعرف رؤية المرؤوسين لها فإنه يعيش في عالم مُنعزل ويتخذ قرارات لا علاقة لها بالواقع وباالتالي يقع في أخطاء كبيرة. الأمر ليس فيه مكابرة! أنت ترى الأمور من زاوية محدودة وتحتاج لتوسيع هذه الزاوية لكي تستطيع اتخاذ قرار سليم. بالإضافة لذلك فإنك قد تجد عند المرؤوسين رؤية جديدة للأمر، وهذا مشابه تماما لاصطحابك لصديقك لمعاينة المنزل الذي قد تستأجره.

من ناحية أخرى فإن المرؤوسين قد لا يقتنعون بالقرارات التي يتخذها المدير لعدم رؤيتهم لأسباب القرار التي يراها هو، فهم يرون القرار من الجانب الآخر. لذلك فإنه في حالة القرارات التي يكون فيها اقتناع المرؤوسين بالقرار مهما فإن على المدير توضيح الأمور قبل أو بعد اتخاذ القرار وقد يسمح لهم بالمشاركة في إعداد القرار حسب طبيعة الأمور.

المهندس أو المدير والمصنع

كيف يرى مدير الإنتاج أو المهندس المصنع وهو في مكتبه؟ إنه يرى صورة في خياله أو على الورق للمصنع ويتصور أن الأمور تسير كما يتخيلها أو كما طلب أن تسير. المهندس يرى العملية الإنتاجية بناء على حسابات وتصميمات هندسية وأوامر وتعليمات تشغيل. كيف يرى المشغلون المصنع؟ إنهم يرون الواقع بعيدا عن الرسومات والحسابات.

see5.jpg

إن المدير أو المهندس يحتاج لأن يرى المصنع من زاوية الواقع لذلك فإنه يحتاج لأن يزور المصنع باستمرار وأن يتواجد هناك لبعض الوقت لكي يرى الصورة الواقعية ويرى المشاكل الحقيقية. قد يكتشف أن الأمور تسير بطريقة مختلفة تماما عن تصميم المصنع أو عن حساباته أو عن تعليمات التشغيل. هذا قد يكون راجعا في كثير من الاحيان إلى أسباب مقبولة مثل عدم توفر بعض الأدوات أو وجود عيوب في المعدات لم يتم إصلاحها أو وجود طريقة أفضل للإنتاج. وقد يكون كذلك راجعا إلى الإهمال مثل أن يتكاسل العمال عن بعض الإجراءات أو يتبعوا طريقة خاطئة للإنتاج.

المدير أو المهندس يحتاج كذلك لمشاركة المشغلون الذين يعملون على أرض الواقع في حل المشاكل وتطوير العملية الإنتاجية.  لماذا؟ لأنه حتى وإن زار المصنع بصفة دورية فهو لا يرى كل ما يراه العمال المتعاملين بشكل مباشر ومستمر مع المعدات. هذه الرؤية والمعلومات التي لديهم هي أمر مهم جدا عند حل المشاكل وتطوير المعدات. فقد تكون هناك امور كثيرة في الواقع مختلفة عن التصميم الأصلي وقد يكون لديهم الكثير من المعلومات والخبرة التي لا يعرفها المهندس أو المدير.

المدير والمهندس يَرَيان تفاصيل مختلفة من المصنع. فالمدير يرى أرقاما مالية ويرى أمورا تنظيمية وإدارية ويتابع أرقام الإنتاج ولكنه يعرف القليل عن التفاصيل الفنية التي يتخصص فيها المهندس. لذلك فإن المدير والمهندس يجب أن يلتقيا وأن يتعاونا للوصول إلى حلول سليمة تغطي النواحي الإدارية والمالية والفنية. وبطبيعة الحال فكما ذكرنا فإن العمال الذين يتعاملون مع المعدات بشكل مباشر لابد أن يلتقوا مع المدير والمهندس في نقطة وسط تجمع كل الرُؤى.

الإدارة والإدارات الأخرى

كل إدارة في المؤسسة تعرف عملها وتحاول أداءه بشكل جيد وهي كذلك تعرف وظيفة الإدارات الأخرى. ولكن كل إدارة لا تعرف حقيقة عمل الإدارات الأخرى ولا المشاكل التي تواجههم. هذا النقص في المعرفة عن كيفية أداء الإدارات الأخرى لأعمالها يجعلنا نتخذ قرارات تتسبب في صعوبات للإدارات الأخرى دون أن نشعر. فمدير نظم المعلومات يستحدث أنظمة لا تُفيد العاملين، والموارد البشرية تطالب العاملين بأمور لا تناسب عملهم، والتدريب لا يقترب من الواقع، ومدير التسويق يطالب إدارة الإنتاج بأمور تعجز عنها، وإدارة الإنتاج تريد أن تنتج منتجا لا علاقة له بحاجات العملاء، ومدير الإنتاج يطلب طلبات مستحيلة من إدارة نُظم المعلومات….وهكذا.

see7.jpg

لكي يحدث هذا التفاهم والتقارب فإن هناك أساليب عديدة منها:

  • تدوير الموظفين Job Rotation بمعنى نقل الموظفين من عمل لآخر كل فترة زمنية لكي يكونوا على علم بطبيعة العمل في الأماكن المختلفة. هذا الأمر له فوائد أخرى مثل عدم شعور المظفين بالملل وكذلك وجود أفكار جديدة باستمرار ووجود بدائل لأي موظف أو مدير. هذا التدوير قد يكون كل عدة سنوات عند التدوير من إدارة لأخرى وقد يتم بشكل يومي داخل نفس مكان العمل كما يحدث في بعض المؤسسات مت تدوير العمال من مهمة لأخرى داخل نفس القسم أو الإدارة
  • تكوين فرق عمل Teams لحل المشاكل وتطوير العمل أو المنتجات. وظيفة فرق العمل هذه أنها تتيح تفاعل وجهات النظر المختلفة وعرض الرؤى المختلفة للأمر من زوايا كل الإدارات. هذه الفرق تسمح لأعضائها بالتعرف على طبيعة عمل الإدارات المشاركة في الفريق.
  • محاولة التعرف على طبيعة مشاكل الإدارات الأخرى بنفس الطريقة التي نتعامل بها مع العملاء. يمكننا أن نزورهم ونزور مواقع عملهم ويمكننا سؤالهم ويمكننا ملاحظة تأثير طلباتنا أو قراراتنا أو خدماتنا عليهم. يمكننا أن نأخذ الامر من زاوية أخرى وهي أن هذه الإدارة هي إما بمثابة عميل لنا أو مورد لنا. فكما ينبغي أن نتعرف على حاجات العميل وقدرات المورد فعلينا أن نتعرف على طبيعة عمل وقدرات الإدارات الأخرى التي نتعامل معها
  • عقد ندوات تعريفية بأنشطة كل إدارة أو بما تم استحداثه أو بالمشاريع الجديدة في كل إدارة …..

هذه الأساليب لكي تكون ناجحة ينبغي أن تعمل في إطار ثقافة إرضاء العميل الداخلي والخارجي. فبينما تدوير الموظفين يجعل كل طرف يتفهم مشاكل الطرف الآخر فإن الثقافة السائدة في المؤسسة تجعل ذلك يعني محاولة مساعدة الطرف الآخر أو قد يعني تصيد الأخطاء والتدخل في عمل الطرف الآخر.

ليس من الغريب أن يكتشف موظف بعد عمله بفترة طويلة عن وجود خدمات تقدمها إدارة أخرى وهو لا يعلم. وليس من الغريب أن تكون هناك خدمات سيئة جدا والمسئول عن الخدمة يتصور أنها رائعة. وليس من الغريب أن تطلب كل إدارة ما يستحيل تلبيته عن طريق الإدارات الأخرى. هذا بسبب عدم معرفة كل إدارة بظروف الإدارات الأخرى وعدم اهتمام مقدم الخدمة بالتعريف بها أو دراسة أثرها الحقيقي.

المدرب والمتدرب

بينما يرى المدرب المادة التدريبية أمرا يسيرا فإن المتدرب قد يراها عسيرة. وقد يظن المدرب أن المتدرب قد استوعب المادة التدريبية بينما المتدرب لم يفهم شيئا. هذا بسبب أن كلا منهم يرى المادة التدريبية من ناحية مختلفة تماما. المدرب يعرف المادة التدريبية وقد فهمها منذ زمن بينما المتدرب يسمع بها لأول مرة.والمتدربون قد يختلفون فهذا يجد المادة التدريبية بسيطة والآخر يجدها متوسطة الصعوبة والأخير يراها في منتهى الصعوبة. لذلك فإن على المدرب معرفة انطباعات المتدريبن بالملاحظة والأسئلة المباشرة والتمارين والتقييم التالي للتدريب.

see9.jpg

والأمثلة كثيرة…. 

هذه بعض الأمثلة للمواقف التي نحتاج فيها أن نتعرف على الرؤى الأخرى للأمور وهناك أمثلة كثيرة أخرى. المهم هو أن تُدرك حدود نظرك وإداركك وحاجتك لمعرفة رؤى الآخرين وانطباعاتهم في كثير من الأمور.هذا يساعدك على تحقيق نتائج أفضل واتخاذ قرارات سليمة. وأخيرا فإن الرؤى والانطباعات تتغير مع الزمن فليس معنى أنك درست انطباعات وحاجات العملاء منذ سنة أنها هي نفسها الآن وليس معنى أنك وجدت الموظفين سعداء بنظام المعلومات الذي طورته منذ ثلاث سنوات أنهم راضيين عنه الآن. الأمور تختلف وما تقبله لايوم قد تجده عديم القيمة غدا. فلابد أن تتعرف على هذه الرؤى باستمرار.

موضوعات ذات صلة:
Busienss-People Pairing

5 تعليقاً

تطبيقات إدارية عربية: محاولة محدودة لتطبيق برنامج الانحرافات المعيارية الست ……Six Sigma

هذه المقالة هي ثاني مقالة في سلسلة تطبيقات إدارية عربية. هذا التطيبق يحكيه د. نور الذي حاول تطبيق سياسة المعايير الانحرافية الست في معمل الجودة بإحدى الشركات العربية

مقدمة

د.نور متخصص في علم الكيمياء وله خبرة طويلة في مجالات عديدة. في عام 2002 تولى د.نور إدارة المعمل المسئول عن قياس جودة التصنيع في شركة صناعية بالعالم العربي. حينئذ وجد د.نور بعض التحديات الصعبة مثل الارتفاع بدقة القياس وتحليل أخطاء القياس وتحسين توصيات المعمل للقائمين على إدارة المصانع. يحكي د.نور فيقول:

“لم يكن لدينا القدرة على تحديد نسبة الخطا الحقيقية في القياس ومعرفة أسبابها. فعملية القياس قد تختلف نتيجتها نتيجة لاختلاف الشخص القائم بالتحليل أو اختلاف ماكينة التحليل أو حدوث خطا ما أو اختلاف العينة. كان علينا أن نكون أكثر دقة في توصياتنا عن عيوب المنتج لأن توصيات المعمل ينتج عنها قرارات خطيرة تؤثر على مستقبل المؤسسة كلها”

واجه د.نور تحديات أخرى منها وجود ماكينات تحاليل كثيرة بحالة سيئة وعدم استغلال لموارد كثيرة. ومما زاد من صعوبة الأمر أن المعينين الجدد لم يكون لديهم مهارت عالية في هذا المجال.

البداية

عندما اطلع د.نور على نظام الانحرافات المعيارية الست Six Sigma وجد فيها فرصة عظيمة لتطوير قدرات المعمل. فباستخدام الوسائل الإحصائية المتقدمة يمكن تحليل الكثير من المشاكل ورفع كفاءة العمل في المعمل. اقتنع د.نور بالفكرة وبدأ في تثقيف نفسه بنفسه عن نظام المعايير الانحرافية الست.

ما هو نظام الانحرافات المعيارية الست (Six Sigma)؟

هذا النظام يعتمد على استخدام نظام متكامل في حل المشاكل وتقليل العيوب. المقصود بالانحرافات المعيارية الست هو أن تصل العيوب في المنتج إلى 3.4 عيب في المليون وهو تقريبا صفر. هذا النظام تم تطويره في شركة موتورولا  وحقق نتائج كبيرة ثم انتشر كثيرا بعد تطبيق شركة جنرال إلكتريك لها. يستخدام هذا النظام الأساليب الإحصائية كوسيلة أساسية في دراسة وحل المشاكل وتطوير العمل.

العقبات الأولى

واجه د.نور عدة عقبات عند بداية محاولاته لتطبيق هذا النظام. حاول د.نور أن يحصل على دعم إدارة المؤسسة لتطبيق هذا النظام في كل قطاعات العمل ولكنه لم يجد أذنا صاغية فقرر أن يحاول أن يُطبقه في نطاق عمله في المعمل. ثم بدأ يواجه مقاومة عالية للتغيير من المهندسين والكيميائيين والفنيين. فهذا يقول:هذا النظام لن يضيف شيئا والآخر يقول: نحن نعمل بدون هذا النظام منذ عشرات السنوات و الآخر يقول: وهل نحن لا نعرف كيف نعمل بطريقة جيدة حتى نتعلم هذا النظام؟

حاول د.نور اتباع أسلوب الإقناع وإن كان لم يظهر نتائج كبيرة حتى بدأ في عقد محاضرات تدريبية للعاملين بالمعمل. لاحظ د.نور أن المحاضرات النظرية لا تفيد كثيرا فبدأ في التركيز على الجانب العملي. يحكي د.نور فيقول:

“بداتُ أشرح طريقة من طرق نظام الانحرافات المعيارية الست ثم أُعطي أمثلة ثم أُكلف الحاضرين بحل بعض الامثلة بأنفسهم. بعض الأمثلة كان يكلف المتدرب بحلها بعد المحاضرة وقد يستغرق ذلك عدة أيام. كان هذا الأسلوب مفيدأ لأن المتدربين بدؤوا يشعرون بقيمة نظام المعايير الانحرافية الست”

التطبيقات

نجح د.نور في تطبيق أحد أدوات نظام الانحرافات المعيارية وهو مقياس التكرارية والإعادة Repeatability & Reproucibility والمعروف بـ R&R. هذا التحليل يمكننا من معرفة مدى تشتت قيم التحاليل أي مدى اختلاف نتائج التحاليل عند إجرائها في وقت لاحق بنفس الجهاز أو غيره وبنفس فني التحليل أو غيره. والمقصود بالتكرارية Repeatability هنا هو إمكانية تكرار نفس النتيجة عندما يقوم بنفس فني التحليل بالاختبار مرة أخرى. أما الإعادة Reproucibility فمقصود بها مدى تطابق النتائج عند إعادة نفس الاختبار على نفس الجهاز.

كما يتضح من اسمه فإن هذا الاختبار يعتمد على إعادة قياس عدد من العينات العشوائية بنفس الشخص الذي قام بالتحليل وبنفس الجهاز وكذلك عن طريق آخرين وعلى نفس الجهاز وكذلك على أجهزة مختلفة. هذا يمكننا من معرفة أسباب الحيود في النتائج فقد يكون ذلك بسبب خطأ في الجهاز أو خطا في القائم بالتحليل أو خطأ في طريقة أخذ العينة أو غير ذلك. هذه الامور يتم تحديدها عن طريق معالجة نتائج هذه التحاليل إحصائيا باستخدام بعض البرامج الحديثة مثل Minitab.

لا يزعم د.نور أنه طبق سياسة الانحرافات المعيارية الست Six Sigma ولكنه بالفع طبق جزءً منها. فكل الاختبارات تخضع لمقياس R&R ويتم تحليل النتائج وتحديد أسباب الحيود واتخاذ الإجراءات للتصحيح. فهو كذلك تطبيق لأسلوب تحليل المشاكل في سياسة الانحرافات المعيارية الست والمعروف بـ DEMIAC والتي تعني تحديد المشكلة ثم القياس ثم التحليل ثم التحسين ثم الرقابة (المتابعة).

من الأشياء الجميلة في تطبيق د.نور أن الفنيين أصبح لديهم قناعة بضرورة تطبيق تحليل R&R لما لمسوا من فوائده. فقد اتضح لهم من خلاله أن أحدهم يحصل على أقل حيود في النتيجة عندما يقوم بتكرار التحليل. وبدراسة الأمر اتضح لهم أنه يقوم بتثبيت العينات بطريقة جيدة مما يساعد في ثبات نتيجة الاختبار في كل مرة. وأظهرأيضا كذلك بعض العيوب في الأجهزة. وكذلك ساعدهم هذا المقياس في معرفة مدى تشتت النتائج وعلاقة ذلك بالتفاوت المسموح به في مواصفات المنتج مما يجعلنا على علم بمدى مناسبة دقة النتائج للدقة المطلوبة لتحقيق مواصفات المنتج نفسه.

إعادة تنظيم المعمل

قام د.نور بإعادة تنظيم ادوات ومعدات التحليل. فقام بفصل أماكن التحضير عن أماكن التحليل أي فصل الأماكن التي يتم فيها تحضير العينات للاختبار عن الأماكن التي يتم فيها إجراء التحاليل والاختبارات. الهدف من ذلك هو تحسين بيئة التحليل أي تجنب وجود أتربة ناتجة عن تحضير العينات في مكان الاختبار.

قام كذلك بالاهتمام بنظافة المعمل وعليه فقد قاد عمليات إعادة حالة الأرضيات والدهانات إلى حالة جيدة وكذلك عملية ترتيب المعدات وتنظيمها. وساهم في إعادة تشغيل عدة أجهزة كانت مُهمَلة وتخلص من تلك التي لا تعمل ولا يمكن إصلاحها والتي كانت تشغل مكانا كبيرا في المعمل. وللمحافظة على نظافة بيئة الاختبار قام باستحداث ستارة هوائية عند مدخل المعمل لمنع دخول الأتربة. ومن أجل تحسين بيئة العمل فقد تم إضافة بعض مراوح التهوية في بعض المعامل التي كانت تعاني من الروائح النفاذة للعينات أو مواد التحليل.

استخدام نظم المعلومات

تمكن د.نور من تفعيل وتشغيل نظام معلومات خاص ببعض نتائج المعمل مما مكَّن من نقل النتائج إلكترونيا للإدارات المعنية. ساهم ذلك في سرعة اتخاذ القرارات الخاصة بشحن المنتج وذلك نتيجة لوصول نتيجة تحليل المعمل بسرعة. تم تدعيم ذلك بعملية تنظيمية تُمكن من تحليل عينات المنتج بعد إنتاجها بوقت قصير.

هل كان الطريق مُعبدا

قد تتصور أن تطوير المعمل قد تم في جو مثالي من حيث سهولة توفير مستلزمات التطوير والتعاون من الآخرين والعمالة الماهرة وغير ذلك. ولكن د.نور يقول:

“كانت هناك عقبات كثيرة ولكنني عندما أضع هدفا أكافح للوصول إليه وإن مررت بفترات إحباط في الطريق ولكنني أعود وأحاول مرة اخرى حتى أستطيع الوصول للهدف…..”

وترى اهتمام د.نور بقيمة الموارد البشرية كبيرا فهو يبذل مجهودا كبيرا لتدريب الفنيين. يظهر ذلك عندما تجد الفنيين يُحدثونك بطلاقة عن اختبار R&R وعمليات مراقبة العمليات إحصائيا Statistical Process Control على الرغم من أن هذه الأمور تبدو صعبة لخريجي الجامعات. بل ويحاول د.نور تخصيص غرفة للتدريب في داخل المعمل نفسه. ولا يقتصر التدريب على التدريب الفني فقط بل يتم تدريب الفنيين على اللغة الإنجليزية لتساعدهم في التعامل مع المصطلحات الأجنبية التي يحتاجونها في عملهم.

وبالإضافة للتدريب الذي يقوم به بنفسه فإن د.نور يُنظم تدريب يقوم به الفنيون ذوو الخبرة لهؤلاء الملتحقين بالعمل حديثا. ويتم تدريب الشخص الملتحق بالعمل على التحليل لفترة طويلة حتى يتمكن من أدائه بدقة ويتم التأكد من ذلك بمقارنة نتائج الاختبارات التي يقوم بها بنتائج نفس الاختبارات التي يقوم بها شخص خبير.

الرؤية المستقبلية

يرى د.نور أن المعمل يجب أن يقوم بأنشطة أكبر لتشمل تحاليل البيئة والزيوت. ويتحدث د.نور عن صعوبة توظيف فنيين متخصصين في الكيمياء لعدم انتشار هذا التخصص في التعليم المتوسط وفوق المتوسط. ويجد د.نور أن تطبيق سياسة الانحرافات المعيارية الست بشكل واسع هو أمر عسير لأنه يتطلب بيئة عمل مختلفة وتفهما من كل الإدارات وتدريبا مكثفا للعاملين بالمؤسسة كلها.

10 تعليقاً

« الإدخالات السابقة