اقترحت في مقالة سابقة أن يرسل لي القراء بعض تطبيقاتهم في الإدارة وفي الهندسة الصناعية ولكن مع الأسف لم يصلني أي تطبيق في الهندسة الصناعية. ومع ذلك فإنني في هذه المقالة أعرض تطبيقا قمتُ به بنفسي في الهندسة الصناعية.
خلفية الموضوع:
رغبةً في زيادة الإنتاج قررت إحدى شركات إنتاج المعادن إضافة مُعدة جديدة وهي فرن حراري بحيث يزيد عدد هذه الأفران من 2 إلى 3. ولكن هذه الإضافة تم دراستها اعتمادا على المتوسط الحسابي لزمن كل عملية إنتاجية وكان هناك تخوف من عدم قدرة المعدات المساعدة على مواكبة هذه الزيادة في الطاقة الإنتاجية.
العملية الإنتاجية
يتم إنتاج المعدن عن طريق صهر المواد الخام ومعالجتها كيميائيا ثم صب المعدن المسال في مجاري مستطيلة (قوالب) مع تبريده كي يتجمد. تتكون العملية الإنتاجية من أربع مراحل موضحة في الشكل أدناه من اليسار إلى اليمين وهي كما يلي:
المرحلة الأولى: يتم إضافة المواد الخام إلى فرن الصهر حيث يتم صهر هذه المواد. في نهاية الصهر يتم صب المعدن المسال من الفرن إلى بوتقة (حلّة). هذه البوتقة هي التي تنقل المعدن بداخلها إلى المراحل التالية
المرحلة الثانية: يتم نقل البوتقة عن طريق ونش علوي إلى المرحلة الثانية وهي فرن المعالجة الكيميائية. يتم إدخال البوتقة تحت الفرن حيث يتم التسخين وإضافة بعض المواد
المرحلة الثالثة: يتم نقل البوتقة عن طريق ونش علوي إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة صب المعدن وتبريده
المرحلة الرابعة: يتم تنظيف البوتقة الفارغة وإعادة تجهيزها لا ستخدامها مرة أخرى ومن ثم نقلها إلى فرن الصهر استعدادا إلى صب المعدن من الفرن مرة أخرى
هذه هي الفكرة الأساسية للعملية الإنتاجية. ولكن المصنع الي نتحدث عنه لم يكن به فرنا واحدا بل كان به أربع أفران للصهر وفرنين للمعالجة وثلاث ماكينات لصب المعدن.
التعديل المقترح:
التعديل المقترح هو زيادة عدد أفران المعالجة من اثنين إلى ثلاثة. زيادة فرن المعالجة تعني تقليل الوقت الذي تنتظره البوتقة ما بين فرن الصهر وفرن المعالجة وهذا يعني تقليل الفقد الحراري أثناء الانتظار. لاحظ أن درجة الحرارة المطلوبة عند الخروج من الفرن لابد أن تكون مرتفعة بحيث يمكن للمعدن المسال أن يفقد بعض الحرارة دون أن يتجمد. لذلك فإن تقليل الفقد الحراري يعني تقليل درجة الحرارة المطلوبة عند الخروج من فرن الصهر وهو ما يعني زمن تسخين أقل. لذلك فإن هذا يعني زيادة إنتاجية فرن الصهر.
المعدات المساعدة:
كما ذكرت فإن البوتقة تتحرك من مرحلة لأخرى عن طريق أوناش علوية تتحرك على قضيبين. عدد الاوناش هو 3 وهي كلها تتحرك على نفس القضيب. تنسيق حركة هذه الأوناش كانت عملية معقدة وبالتالي فإن تنسيقها بعد زيادة فرن المعالجة سيكون أصعب.
دور الهندسة الصناعية
عندما علمتُ بهذا التعديل فكرت في قيمة استخدام المحاكاة لدراسة تأثير هذه الزيادة في عدد الأفران وتأثير ذلك على الأوناش العلوية. كان هناك تخوف من عدم قدرة الأوناش على تحمل زيادة الإنتاج والتي تعني زيادة عدد عمليات نقل البواتق من مرحلة الأخرى. وبالتالي فإن المحاكاة Simulation كانت وسيلة مثالية لذلك الغرض إذ إن الطرق الحسابية لا يمكن أن تعطينا تقديرا صحيحا لهذا الأمر. لاحظ أن دراسة الأوناش لا تعني مجرد حساب الوقت الكلي لتشغيلها أو نسبة وقت التشغيل إلى وقت العمل ولكن السؤال هو هل تؤثر الأوناش على حجم الإنتاج؟ قد يكون وقت تشغيل الونش هو 20% ولكنه يؤدي إلى تعطيل الإنتاج لأنه يكون مطلوبا في عمليتين في نفس الوقت بحيث يكون تاخير أيا منهما يؤدي إلى نقص الإنتاج.
اقترحت على إدارة المؤسسة استخدام المحاكاة وأوضحت لهم كيف يمكننا القيام بذلك وقد وجدت بعض الاهتمام من الإدارة. وحاولت إقناع المسئولين عن تشغيل هذا المصنع ولكن الأمر قوبل برفض شديد من جانبهم. سبب هذا الرفض يرجع إلى حداثة المحاكاة وإلى ما تؤدي إليه من بيان لقدرات المصنع الحقيقية وهو ما قد لا يكون أمرا محببا لمدير الإنتاج. يرغب بعض المديرين في ألا تكون قدراته الإنتاجية واضحة تماما لمديريه. استغرق الأمر بعض الوقت حتى وافقت إدارة المؤسسة على شراء برنامج محاكاة وهو برومودل ProModel وهو من البرامج القوية في هذا المجال.
بناء النموذج
استغرق بناء النموذج من شهرين إلى ثلاثة أشهر وهذا يشمل تجميع البيانات وتصميم النموذج والتأكد من صحته ثم استخدامه. الخطوات التي اتبعتها كالتالي:
1- بناء نموذج مصغر ومبسط للتأكد من وجود قدرة على القيام بالنموذج الحقيقي ولتوضيح ماهية المحاكاة للآخرين
2- دراسة البيانات المطلوبة: قمت بحصر البيانات التي سوف أحتاجها في بناء النموذج وساعدني بعض الزملاء ممن لديهم خبرة أكثر في تشغيل هذا المصنع.
3- تجميع البيانات: هذه كانت العقبة الكبرى حيث كان رفض مديري التشغيل للموضوع سببا في رفض مساعدتي تماما. إلا أنه مع بعض الضغوط من إدارة المؤسسة بدؤوا في إعطائي بعض البيانات. ومع ذلك فقد وجدت أن عليّ جمع بعض البيانات بنفسي لتحري الدقة فقمت بقياس وقت تحميل البوتقة عن طريق الونش ووقت التنزيل. هذا الوقت يختلف من مرة لأخرى فقد يستغرق ما بين دقيقة إلى دقيقتان. تصورت أنني لن أجد من يقيس لي هذه الأوقات بدقة فتطوعت للقيام بذلك إيماناً مني بقيمة استخدام المحاكاة وأملا في أن بناء نموذج واحد سيكون وسيلة لاقتناع المديرين بجدوى هذا الأسلوب.
4- تحديد التوزيع المناسب لزمن كل عملية: المحاكاة تتميز بمحاكاتها للواقع كما هو فلا نفترض متوسط حسابي لزمن كل عملية وإنما نحاكي العملية بكل عشوائياتها وتغيراتها. لذلك فإنه يتم البحث عن التوزيع Distribution المناسب لزمن كل عملية. ربما تكون قد سمعت عن منحنى التوزيع الطبيعي Normal Distribution Curve ولكن هناك توزيعات كثيرة أخرى يتم البحث بينها عن التوزيع المناسب. ما هو التوزيع؟ افترض أن لدينا عملية قد يكون زمنها 77 دقيقة في 40% من الحالات ويكون زمنها 78 دقيقة في 20% من الوقت ويكون زمنها 74 دقيقة في 15% من الوقت ويكون 81 دقيقة في 5% من الوقت وهكذا. المنحنى الذي يمثل هذه القيم يسمى التوزيع. عند استخدام التوزيع المناسب فإن المحاكاة تقوم بتخليق زمن العملية بحيث يشابه هذا التوزيع ولا يكون مشابها للمتوسط الحسابي فقط.
للقيام بذلك استخدمت برنامج Stat fit الملحق ببرنامج برومودل Promodel والذي يقوم بلك ببساطة شديدة. فهو يقترح عليك التوزيعات المناسبة ويعطيك الأرقام التي تحدد هذا التوزيع. ويمكنك كذلك من مقارنة التوزيع المقترح بالبيانات الحقيقية.
بعد تحديد التوزيع المناسب فإنه يتم إدخال بياناته في المكان المناسب في نموذج المحاكاة.
5- بناء نموذج مماثل للواقع: استغرق ذلك قتا وقمت به بالتوازي مع تجميع المعلومات. وقد كان قياسي لبعض الأوقات بنفسي سببا في اكتشافي لبعض الأنظمة التي تستخدم في الإنتاج والتي ينبغي إدخالها في النموذج. مع الأسف لم يكن هناك تعاون من جانب مديري التشغيل في مراجعة النموذج ولكنني بذلت مجهودا في التحقق من صحة النموذج واستعنت بكثيرين وبدأت أطرح الأسئلة على مديري التشغيل.
أما محاكاة الأوناش فقد تمت باستخدام أسلوب البرنامج في تعريف الأوناش فحددت سرعتها مع تحديد النقاط التي تتحرك منها وإليها بإحداثياتها الحقيقية. بالإضافة لذلك فقد أدخلت أوقات التحميل (التصبين) والتنزيل كأوقات انتظار بمعنى أن الونش والبوتقة ينتظران لفترة التحميل عند نقطة التحميل وكذلك عند نقطة التنزيل.
أدخلت كذلك أوقات الصيانة والتوقفات وأعمال الونش المختلفة. بعض الأعمال الجانبية تم إدخالها كما لو كانت فترة توقف. كما تعرف فإن من المهم تحديد ما هو مؤثر وما هو غير مؤثر في نموذج المحاكاة.
ويمكنك تنزيل هذا الملف بالضغط على الرابط التالي:
6- التأكد من صحة النموذج: من الخطوات الأساسية في المحاكاة أن نتأكد من صحة النموذج. لذلك فقد قمتُ بمراجعة نتائج محاكة الحالة القائمة أي ما قبل زيادة فرن مع نتائج المصنع فمثلا قارنت حجم الإنتاج في الواقع مع حجم الإنتاج في النموذج. بالطبع مر النموذج بفترة تدقيق وتصحيح حتى وصلت للنتائج السليمة.
7- دراسة الوضع بعد التعديل: تم دراسة عدة أمور تخص الوضع بعد التعديل. أوضحت النتائج أن الأوناش لن منتع من زيادة الإنتاج وأن الزيادة في نسبة تشغيلها حوالي 5% فقط وأنها لن تؤدي إلى تعطل الإنتاج.
درستُ كذلك ما إذا كان من الأفضل أن يتم نقل البوتقة من كل فرن صهر إلى فرن المعالجة الحرارية القريب منه فقط لتجنب تعقد حركة النقل أم من الأفضل النقل إلى فرن المعالجة المتاح أينما كان. أظهرت النتائج أن عدم التخصيص أفضل لأن التخصيص سيؤدي إلى وقت انتظار طويل.
في بعض الأحيان يحدث عطل بأحد الأوناش وقد يستمر فترة طويلة. لذلك فقد درست حالة العمل بونشين فقط. وأظهرت النتائج انخفاضا يصل إلى حوالي 3.5% في الإنتاجية اليومية.
درستُ كذلك إنتاجية المصنع في أيام الصيانة والتي قد يتوقف فيها فرنان للصهر مع فرن معالجة حرارية مع ماكينة صب أو حالة توقف فرن واحد فقط. وحددت الإنتاجية المتوقعة في كل حالة. ومن هنا تيسر حساب الإنتاجية السنوية بحساب إنتاجية أيام العمل العادية مع إنتاجية أوقات الصيانة والتوفقات الطويلة. وبالتالي تم حساب نسبة الزيادة في الإنتاج.
نهاية القصة
أعددتُ تقريرا بالنتائج والتي لاقت اهتماما من إدارة المؤسسة لكنها لم تلق صدى لدى مديري التشغيل ومع ذلك فقد حدث بعد ذلك أن طلب مديري التشغيل استخدام النموذج لتقدير بعض الحالات الجديدة. ومن مميزات المحاكاة أنك بمجرد بناء النموذج والتأكد من صحته فإنه يمكنك دراسة أي حالة في فترة قصيرة جدا.
شاركتُ بعد إعداد النموذج في مؤتمر لشركة برومودل ProModel وعرضت هذا التطبيق وقد لاقى العرض اهتماما من الحاضرين. وقد عرض مشارك من كوريا الجنوبية تطبيقاً مشابها لنفس المشكلة وكذلك عرض مشارك آخر من ألمانيا دراسته لقدرة الأوناش على مواكبة زيادة الإنتاج.
من أسباب استكمال هذا التطبيق أن مديري المباشر آنذاك كان متفتحا ومن النوع الذي يساند مرؤوسيه لذلك فقد كافح كثيرا لمساندتي في هذا المشروع. ومررنا سويا بأوقات صعبة ولكننا احتملنا واستطعنا إكمال الدراسة.
لم تكن التجربة يسيرة وربما لم أحقق نجاحا كاملا فقد كنت أتمنى أن أجد قبولا من مديري التشغيل لأنهم هم المعنيون بهذا التطبيق. ولكنني قدمت شيئا لم يكن معروفا وأصبح كثيرون يعرفون ما هي المحاكاة Simulation وأصبح من الوارد استخدامه في تطبيقات أخرى. وأثبتُ أن استخدام مثل هذه الأدوات ليس مستحيلا في عالمنا العربي.
موضوعات ذات صلة:








لو سمحت ممكن توضح لي ما هو GPSS عندي مقالين عن المحاكاة باستخدام GPSS ولكن للاسف لم افهم ما هو هذا النوع اذا ممكن توضيح بسيط يوضح لي او اي مواقع على النت فيها توضيح بسيط ودقيق ولك جزيل الشكر على الطرح الشيق……..
الأستاذة تهاني
لا أعرف هذا المسمى ولكن يبدو أنه أسلوب محاكاة قديم بعض الشيء
http://en.wikipedia.org/wiki/GPSS
شكرا