مر على صاحبنا عدة أسابيع في موقعه الجديد كمدير للتخطيط، وصارت الأمور أكثر وضوحا، وأصبحت التحديات أشد قوة. ويمر صاحبنا بين هذه التحديات وتلك المشاكل يحاول أن يقدم جديدا، وألا يقع في هذه الحفرة، أو يتعثر في تلك العقبة، سائلا الله العون.
قياس وقت الأعمال
تم تسجيل وقت الأعمال المختلفة لمدة أسبوع كامل وقام صاحبنا بتحليل للنتائج عن طريق تجميعها ورسمها في رسم بياني، وقد أظهر ذلك عدة أمور:
- هناك أعمال قليلة تستهلك معظم الوقت
- الوقت اللازم لأداء عمل ما يختلف من شخص لآخر
- هناك أعمال لا ذكر لها تقريبا مثل ترتيب الملفات وزيارة الموقع والتفكير في طرق جديدة للعمل
وقد ظهرت عدة مشاكل مثل اختلاف أسلوب كتابة الأعمال من شخص لآخر فهذا يسجل عمل ما في خطوة واحدة وهذا يسجل العمل في عدة خطوات، وهذا يتحرى الدقة الشديدة في تدوين الأوقات وهذا يتهاون في الأمر فيسجل أوقات الأعمال بعد عدة ساعات. وقد فكر صاحبنا في أن يقوم بإعادة عملية التسجيل باستخدام نموذج محدد الأعمال بحيث يضطر مستخدم النموذج أن يكتب توقيتات أعمال محددة في النموذج مثل: إعداد التقرير اليومي، دراسة نتائج أعمال اليوم السابق، إعداد خطة إنتاج اليوم التالي… وهكذا، ولكن صاحبنا تردد في ذلك خوفا من شعور المهندسين بالملل من استخدام هذه النماذج.
وبات على صاحبنا دراسة تقليل وقت الأعمال التي تستغرق وقتا طويلا كخطوة أساسية تساعد على إتاحة الوقت للقيام بالأعمال المهمة والتي يتم إهمالها بصفة مستمرة مثل زيارة الموقع وتطوير العمل. ومن الواضح أن هناك حاجة لجعل وقت تنفيذ العمل الواحد متقاربا في كل الأحوال بغض النظر عن القائم بالعمل، وهذا أمر يحتاج لتحليل دقيق لكيفية قيام كل منهم بالعمل ووضع طريقة قياسية لأداء العمل. ولننتظر لنرى كيف تسير هذه الأمور.
عميلنا الداخلي العزيز
أرسل صاحبنا استطلاع الرأي لعملاء داخليين من قطاعات مختلفة أهمها التصنيع والمبيعات وقد قوبل الأمر بصفة عامة بالتقدير والدهشة، فالأمر غير معتاد، والجدِّية في تطبيق فكرة “عميل داخلي” غير مألوفة. وقد أرسل صاحبنا ما يقارب سبعين استطلاعا وحدد موعدا للرد خلال عشرة أيام تقريبا. وقد أرفق مع الاستطلاع خطابا بدأه بـ: “عملينا الداخلي العزيز”، وقد أوضح قيه حرصه على استطلاع رأيهم وتقديره لوقتهم.
وقد بدأ وصول الردود برد من مهندسي الجودة وقد أظهرت النتائج عدم رضا مهندسي الجودة عن نقطتين محددتين، ورضاهم بدرجات متفاوتة عن باقي النقاط. وقد سعد صاحبنا بهذا الأمر فهناك درجة من الرضا وهناك فرصة للتحسين من خلال دراسة هاتين النقطتين. ولكن الحال لم يكن كذلك بالنسبة للمدير المساعد ومهندسي التخطيط إذ اعتبروا أن تقييم مهندسي الجودة ظالما وأنهم يستحقون درجات أعلى وأنه لا وجه للشكوى أو عدم الرضا عن أي نقطة من نقاط الاستطلاع. وتطور الأمر إلى حد عتاب هؤلاء المهندسين لمهندسي الجودة.
قرر صاحبنا أن يستفيد من الاستطلاع فتناقش مع مدير الجودة ثم مع مهندسي التخطيط ثم وقام بدعوة مدير الجودة للاجتماع اليومي لمناقشة الأمور، وقد كان الاجتماع مثمرا حيث تم التفكير في حلول لنقطتين أساسيتين الأولى هي إخبار مهندسي الجودة عند تنفيذ طلبهم بتعديل بعض البيانات حتى يتسنى لهم استكمال عملهم وهو ما لا يحدث حتى الآن، والثانية هي وضع نظام محدد يسمح لمهندسي الجودة بمنع إجراء المزيد من العمليات الصناعية على بعض المنتجات نتيجة عيوب فيها وهو أمر قد شابه بعض الأخطاء في الماضي نتيجة اعتماده على ذاكرة المهندسين والتي قد لا تسعفهم في بعض الأحيان. فتم الاتفاق على حل النقطة الأولى عن طريق بعض التنبيهات الإلكترونية، وحل النقطة الثانية عن طريق إنشاء شاشة تسمح لمهندسي الجودة بإيقاف العمل على منتجات بعينها. وقد كان المدير سعيدا بتعاون المدير المساعد للتخطيط في دراسة نقاط الضعف بجدية ومحاولة إيجاد حلول، غير أنه لم يكن سعيدا بعدم مشاركة مهندسي التخطيط في الحوار مما يُظهر عدم قناعتهم بالأمر كله.
ثم وصلت نتائج الاستطلاع من المبيعات والتي أظهرت نتيجة عامة مقاربة لنتيجة الجودة غير أنها أظهرت أمورا مختلفة يهتم بها موظفو ومديرو المبيعات. فمدير المبيعات يهتم كثيرا بحصوله على معلومات وتقارير دورية. وقد اهتم مهندسي التخطيط كثيرا بتلك النتائج واندهشوا من بعضها وعلَّقوا على بعضها قائلين: لابد أن هذه إجابات فلان وهذه إجابات فلان. وقرر صاحبنا أن يناقش هذه النتائج للتوصل لبعض التحسينات التي تلبي طلبات المبيعات.
ومع انتظار باقي النتائج فإن صاحبنا يجد الاستطلاع مفيدا ولكنه ما زال يفكر كيف يحاول تغيير نظرة مهندسي التخطيط لآراء الآخرين ويجعلهم يرونها فرصة للتطوير. وقد قال ذات مرة للمدير المساعد مازحا: إن العميل الداخلي إن لم ترضه خدمتك فقد يذهب لمدير آخر. ويقول صاحبنا: لابد أن تعتبر أن العميل الداخلي يستطيع أن يتركك ويذهب لغيرك، على الرغم من أن هذا غير حقيقي، ولكن الفكرة هي أن تقدم خدمة رائعة كما لو كان بإمكان العميل الداخلي البحث عن غيرك، ولابد أن تفرح بمعرفة مشاكل العميل لأنها فرصة للتطوير، وإن العميل الداخلي الذي لا تعجبه خدمتنا لن يكون متعاونا معنا وبالتالي لن ننجح كفريق عمل. ويضيف: لقد أظهر الاستطلاع بعض النقاط التي لن تكلفنا جهدا كبيرا ولكنها مؤثرة بالنسبة لعملائنا الداخليين فلِمَ لا نقوم بها؟ هذه فائدة عظيمة من فوائد استطلاع رأي العملاء.
هفوات وأخطاء
ومع سعي صاحبنا للتطوير فإن تقارير تحوي نتائج رقمية قد يظهر فيها – بعد صدورها- أخطاء من آن لآخر وهو ما يشكل حرجا لهذا المدير. ويتساءل صاحبنا: لماذا علينا أن نراجع كل يوم أرقاما يمكن حسابها إلكترونيا؟ ولماذا تتكرر الأخطاء في التقارير؟ ويفكر صاحبنا في تحويل هذه التقارير إلى تقارير إلكترونية لا تحتمل أخطاء بشرية.
ذات يوم لفت الرئيس المباشر لصاحبنا انتباهه لبعض كميات المخزون المهملة منذ شهور وقد قام الرئيس المباشر بتجميع تلك البيانات من نظام المعلومات القديم. وقد تشاور صاحبنا مع زملائه في موقف ذلك المخزون وبدأت خطوات لتحديد موقفه سواء بالبيع أو المزيد من التشغيل، ولكن الأهم من ذلك أن صاحبنا قرر أن يجعل هذه البيانات تظهر بسهولة على نظام المعلومات الحديث بحيث تكون بصفة مستمرة تحت نظر مهندسي ومديري التخطيط، بل قرر أن يقوم النظام بإرسال رسائل على البريد الإلكتروني كل فترة لتذكير مهندسي التخطيط بأي مخزون مهمل منذ فترة.
زيارة أخرى للموقع
قام صاحبنا بإحدى زياراته للموقع والتي استمرت لمدة ساعتين وقد كان هدفه الأساسي هي متابعة تنفيذ الأعمال في أرض الواقع والاطلاع على المشاكل. وبعد وصوله بقليل بدأ أحد العاملين في ذلك الموقع يتحدث عن إحدى مشاكل خطة الإنتاج اليومية وبدأ صاحبنا يُصغي باهتمام ويدوِّن بعض الملاحظات، ثم بدأ آخر في ذكر بعض مآخذه على خطة الإنتاج، وتوالت التعليقات الجادة من هذا وذاك. وقد تعجب صاحبنا من عدم وصول تعليقات هؤلاء الفنيين لمهندسي التخطيط قائلا: لقد ذكروا أمورا عديدة فلماذا لم تصل هذه الملاحظات لمهندسي التخطيط؟ ويضيف: إن التواصل مع كل من له علاقة بعملك هو أمر غاية في الفائدة وهذه إحدى الفوائد الخفية لزيارة مواقع العمل. وقد فكر صاحبنا أن يتيح للمشغلين فرصة التعليق على أي خطة إنتاج يومية بحيث يصل هذا التعليق لمهندسي التخطيط فيحاولون أخذه في الاعتبار في المستقبل.
حمل صاحبنا بعض هذه الملاحظات وطرحها للنقاش في الاجتماع اليومي وظهر من النقاش جدية الملاحظات، وتم الاتفاق على حل لملاحظتين، وتقرر دعوة مدير تشغيل ذلك المصنع لمناقشته في بعض الملاحظات للوصول إلى حلول لها.
ابتسامة وعبوس
كما تعلم فإن صاحبنا يولي اهتماما كبيرا للحالة المعنوية لمهندسي التخطيط ولذلك فهو يبذل الجهد لتحفيزهم ويتابع تأثير ذلك عليهم. وقد لاحظ مؤخرا أن احدهم قد بدأت أساريره تنفرج، وابتسامته تظهره، وردود أفعاله تصبح أكثر حماسا بل إنه قام بتطوير محدود في عمله، وقد سعد صاحبنا بذلك كثيرا. ولكن الأمر ليس سهلا فقد تزامنت ابتسامة أحدهما مع عبوس الآخر، وعدم اكتراثه بما يجري، وردود أفعاله التي تظهر عدم الرغبة في المشاركة في التطوير. وقد أصبح الأمر مزعجا لصاحبنا نفسه فهو يحاول تحفيزهما ثم يجد الأمور لا تسير كما يريد.
وفي نقاش بين صاحبنا والمدير المساعد، اقترح الأخير أن ما يقوم به الأول من أمور بهدف تحفيز مهندسي التخطيط قد يكون هو مصدر لمزيد من الإحباط، ففكرة أن يقوما بعقد ندوة كل شهرين قد تكون بالنسبة لهما مزيدا من العبء ومصدرا للإحباط، والاجتماع اليومي قد يكون بالنسبة لهما مضيعة لوقت يمكن الاستفادة منه في أداء العمل، ومسألة استطلاع الرأي وتلبية رغبات العملاء الداخليين قد تكون من وجهة نظرهما خارجة عن نطاق العمل وتعطيل لهم عن القيام بأعماهم اليومية. وقد رد صاحبنا قائلا: إن كل شخص يحب أن يكون مشاركا في اتخاذ القرار، ويحب أن يثبت ذاته، وأن يتعلم ويطبق ما تعلمه، وإن أمورا مثل الندوات والاجتماع الصباحي واستطلاع الرأي وتطوير أنظمة المعلومات لهي وسائل تسمح لهم بالمشاركة والتطوير وإثبات الذات والحصول على تقدير الآخرين. وقال المدير المساعد: ربما لا يجدي هذا معهما.
وقد قرر صاحبنا أن يحاول دراسة تطبيق نظريات التحفيز على مهندسي التخطيط تحديدا ليرى إن كان هناك طرقا أخرى لتحفيزهما.
موضوعات ذات صلة:


المهندس سامح
شكرا على تلك السلسلة الشيقة التى استفدت أنا شخصيا منها
و أنا هنا أتساء معك؟ هل يمكن ترشيح القسم لنيل جائزة القسم المثالى و بالتالى تحفيز هؤلاء المهندسين؟
أتمنى ذلك خاصة و أن الجائزة لها مردود معنوى و مادى
ثانياً: لابد من استغلال انغماس مهندسى التخطيط فى دراسات عليا لها علاقة بعلوم الإدارة حيث يمكن مساعدتهم عن طريق عمل دراسات مشتركة تفيدهم فى الحصول على الشهادة المرجوة و تنعكس ايجابيا على العمل و أعتقد أن مثل هذه الأمور قد تجعل المهندسين يشعرون بالإمتنان لأن العمل ينعكس على دراستهم ا لشخصية
أحد المشاكل فى مصر هو الفصل بين الدراسة و العمل فى حين أنهما عنصرين مكملين لعضهما البعض
خالص تمنياتى باتوفيق لصاحبنا
المهندس هشام
شكرا على هذه المقترحات الجادة والتي سوف نقترحها على صاحبنا بمشيئة الله
شكرا
شكراا جزيلا
مقال واقعي ومفيد
شكراا
شكرا جزيلا أستاذ سامح
مقال رائع جدا
نموذج واقعي واضح للمدير الجديد ودوره في التحسين والتطوير
أسلوب رائع للطرح يميل إليه الكثير بدلا من الأسلوب النظري
استاذ سامح لا اعرف كيف اشكرك على هذه المقالات الرائعة والتي في الحقيقة استفدت منها ايما استفادة
والله اني تجولت في الانترنت وماوجدت مدونة تتحدث بهذه البساطة في التعبير وتوصيل المعلومة بهذه السلاسة
ولي طلب ارجوا ان تلبيه لي وهو انني موظف في احد مراكز البحوث الصناعية في الادارة ولكن لدينا مصروفات من الورق لا يمكن ان اصفه لك . كل مايهمني هو كيف يمكن التقليل في الورق الي اقصى مايمكن وخاصة في المراسلات حيث انه عند طباعة مراسله يتم طباعة عدد كبير من النسخ لجميع الادارات
ناهيك عن الغاء الورق عند الاخطاء ارجوا ان تعلمني الطريقة القياسية في المراسلات من كتابة الرسالة الي
نهاية تغليفها كما امل ان اتعرف على طريقة العمل القياسية في الارشيف (وحدة المحفوضات )
وطريقة فتح الملفات للادارات
شكرا استاذ سامح
وارجوا ان لا اكون قد اثقلت عليك بطلباتي
الأستاذ خليفة
شكرا على اهتمامك بهذا الموقع.
أفضل ما يمكن عمله لتقليل الأوراق هو استخدام الطرق الإلكترونية مثل البريد الإلكتروني والموقع الداخلي للمؤسسة فهذا يجعل تبادل المعلومات إلكترونيا ويكاد يقضي على استخدام الأوراق. ولكن هذا قد لا يكون متاحا في مؤسستك وهو ما يستوجب البحث عن طرق أخرى تختلف حسب طبيعة عمل المؤسسة وطبيعة كل تقرير ومذكرة وهذا موضوع جدير بأن أحاول أن أفرد له مقالة خاصة إن شاء الله.
شكرا