وتستمر الرحلة مع ذلك المدير وتستمر التحديات، وتظهر أفكار جديدة، ويواجه مشاكل متنوعة، ويستمر في محاولاته للتطوير مع حرص شديد على مشاركة فريق العمل في التطوير. وربما لو حاولنا وصف أسلوب هذا المدير في التطوير لوجدناه يعتمد كثيرا على استغلال المشكلات كأساس للتطوير، فكلما وقعت مشكلة بحث عن سبل منع حدوثها مستقبلا، وكلما استغرق عمل وقتا طويلا بحث عن سبل تبسيطه، ولوجدناه يعتمد على خلق جو من الثقة والتعاون بين فريق العمل ومع الأطراف الأخرى من إنتاج وبيع وجودة. وربما تجربة صاحبنا ليست باهرة وليست عالمية، ولكنها تطابق مواقف كثيرة يتعرض لها أي مدير في العالم العربي.
وقد حافظ صاحبنا على الاجتماع الصباحي مع حرصه على ألا يطول عن 45 دقيقة، وأما التقرير اليومي الذي عدَّل تصميمه فما زال ينتظر فرصة تطبيقه عن طريق مهندسي نظم المعلومات، وأمأ زياراته للموقع فما زالت مستمرة وإن انقطعت في بعض الأيام، وقد بدأ في وضع مؤشرات للأداء ولكنه انشغل عنها مؤقتا ولم يستكملها.
هيا بنا ننظم أوراقنا
واظب صاحبنا على تشجيع المهندسين على تنظيم الأوراق والملفات دون جدوى، فاليوم يمر تلو الآخر ولا شيء يحدث، هذا مشغول في إعداد التقارير، وذاك منهمك في إعداد خطط العمل وينتهي اليوم ولم ينظم احدٌ أوراقه. ولذلك قرر صاحبنا أن يأخذ خطوة أخرى، فذات يوم بدأ الاجتماع الصباحي وطلب أن يكون الاجتماع قصيرا جدا لكي يتم استغلال باقي الوقت في تنظيم الملفات. وبدا العمل في جو من الحماس للتخلص من أوراق قديمة ولحفظ أوراق كثيرة ولفتح ملفات جديدة، وقد شعر الجميع بأن هناك مشكلة حقيقية ولذلك فإن العمل استمر ما يزيد على ساعتين.
ويعلق صاحبنا قائلا: لقد قمنا بعمل جيد، ربما لم نُكمِل العمل ولم نجعله عملا دوريا ولكنها بداية يجب أن تتبعها خطوات أخرى. وإنك لتعجب من كم الأوراق التي يجب أن نحتفظ بها على الرغم من أن صورتها الإلكترونية محفوظة في الحواسيب، لابد أن نستغل تلك الصور الإلكترونية ونجعلها هي أرشيفنا الأساسي ونوفر هذا الجهد المطلوب لتنظيم الأوراق. وقد تم بعض من ذلك عندما تم حفظ بعض بيانات الإنتاج إلكترونيا كما تعرفنا في اليوميات السابقة، وقد بدأ صاحبنا يُخطط لحفظ بعضا من خطط الإنتاج اليومية إلكترونيا.
وقد لاحظ بعد عدة أيام أن أحد المهندسين قد قام بحفظ الكثير من الأوراق المتراكمة بعد ساعت العمل فأرسل إليه رسالة يشكره على عمله هذا. ويعلق صاحبنا: إن شكر الآخرين على القيام بعمل بسيط يشجعهم على تكراره، ويُعرِّفهم أنك تّقدر جهودهم.
مواصلة تطوير نظام المعلومات
يحتل تطوير نظام المعلومات جزءا كبيرا من وقت وبال صاحبنا ويبرر هو ذلك قائلا: إن نظام المعلومات هو وسيلتنا الأساسية لتطوير العمل وتبسيطه ولذلك فعلينا أن نطوره باستمرار. ويستمر العمل في إظهار البيانات بشكل واضح ومريح وتستمر التعديلات بإضافة بيان وتغيير شكل الشاشات وإضافة شاشات أخرى. وقد لاحظ صاحبنا استمرار مهندسي التخطيط في استخدام نظام المعلومات القديم في البحث عن معلومات يمكن أن يجدوها بصورة أبسط في نظام المعلومات الحديث، وقد حاول تشجيعهم على استخدام النظام الحديث ولكن جهوده نجحت بشكل متواضع. ويعلق هو قائلا: إن الاعتياد على الوضع القديم وبعض مقاومة التغيير هو أمر طبيعي ولابد أن أصبر قليلا. ولكن صاحبنا فكر في أن هناك سببا آخر لذلك وهو أن بعض الأعمال تستلزم استخدام النظام القديم وبالتالي فالمهندس لا يجد الأمر ممتعا أن يبحث عن معلومة من هنا ومعلومة من هناك، لذلك فصاحبنا يظن انه مع نقل هذه الأعمال للنظام الحديث بشكل أكثر سهولة سيكون الانتقال للنظام الحديث أمرا طبيعيا.
تحديد وقت لإصدار التقرير
تم مناقشة العديد من المقترحات التي سجلها موظفو المبيعات من خلال استطلاع رأي العملاء الداخليين، وكان منها تحديد موعد لإحدى التقارير الدورية المهمة والتي تصدر ثلاث مرات أسبوعيا، وكان الهدف هو تحديد ساعة صدور التقرير في تلك الأيام. تناقش صاحبنا مع زملائه في الأمر وتم تحديد موعد وهو الثانية عشرة ظهرا في الأيام التي يصدر فيها هذا التقرير. وقد روعي في اختيار ذلك الموعد أن يكون هناك وقت كافٍ لإنهاء الأعمال الصباحية ثم الاجتماع الصباحي قبل إعداد التقرير ومراجعته، فكان موعد الثانية عشرة ظهرا هو الموعد المناسب. وقد تم الالتزام بهذه القاعدة وأظهر مهندسي التخطيط حماسهم لتحقيق ذلك الهدف، ويقول صاحبنا هذا يُذكِّرني بنظرية الأهداف والتي تقول أن وضع أهداف محددة ممكنة التحقيق وفيها شيء من التحدي يجعل العاملين يتحفزون لتحقيقه. وقد نجح الأمر وظهر ذلك في عدم اتصال موظفو المبيعات للإلحاح على سرعة وصول التقرير كما كان يحدث من قبل، وكان ذلك يثير بعض التوتر.
ويفكر صاحبنا في تطوير الأمر مستقبلا بإتاحة التقرير إلكترونيا دون مجهود من مهندسي التخطيط حيث أن معظم بيانات التقرير متوفرة على نظام المعلومات. ويقول: نريد أن نطبق نفس الأسلوب -أي تحديد موعد محدد للإصدار أو للتنفيذ- على أمور أخرى مثل إصدار خطة الإنتاج اليومية وتخصيص المنتج لعقود بيع جديدة، ولكن هذا لابد أن يتم بالتدريج وأن يتزامن مع تبسيط العمل وتعظيم الاستفادة من الأساليب الإلكترونية.
الاستفادة من دراسة وقت الأعمال
فكر صاحبنا في أن دراسته لوقت الأعمال كادت تُنسى وأنه لم يفعل شيئا للاستفادة منها، ولذلك بدأ بأحد الأعمال والتي تستهلك وقتا طويلا من مهندسي التخطيط وهي تخصيص المنتج لبعض العقود التي تطلب منتجا تقليديا متوفرا في المخزون، وتتميز هذه العقود بأنها مشابهة للشراء بالجملة فهي تحدد مواصفات عامة تسمح ببيع منتجات متنوعة ولذلك فإن مهندس التخطيط يقوم باختيار المنتج المتوفر في المخزون الذي قد يناسب مواصفات العقد العامة. ففي يوم من أيام العمل طلب من مهندسي التخطيط أن يخبروه عند قيامهم بهذا العمل، وبعد حوالي ساعة كان أحدهم سيقوم بهذا الأمر فجلس صاحبنا بجانبه وظل يتابع كيفية قيام المهندس بتخصيص المنتج لعقد ما وقد قام المهندس بشرح الخطوات.
بدا لصاحبنا أن أسلوب العمل ونظام المعلومات التقليدي يُحتِّمان أن يستغرق الأمر بعض الوقت، فالمهندس عليه أن يكتب الكثير من البيانات لكي يبحث عن منتج مناسب لكل بند في العقد، وعليه أن يتعامل مع نظام المعلومات وبرنامج إكسل في آنٍ واحد، وعليه أن ينتقل من شاشة لأخرى عدة مرات. ولذلك فقد بدأ صاحبنا – قبل أن يبرح مكانه – في تصميم بعض الشاشات الجديدة للقيام بهذا العمل بسهولة، وتناقش مع المهندس فيما يفكر فيه وتوصلا لبعض الخطوط العريضة لتلك الشاشات، ثم قام صاحبنا برسم تلك الشاشات على الحاسوب، وفي اليوم التالي عرضها على كل الزملاء للمناقشة والتي نتج عنها بعض التعديلات. وقد راعي في تصميم الشاشات ألا يحتاج المهندس لاستخدام برنامج إكسل، وألا يحتاج أن يكتب هو أي بيانات تقريبا بل عليه فقط أن يختار باستخدام الفأرة، وألا يحتاج أن ينتقل بين شاشات عديدة. ويعتقد صاحبنا أن هذا التصميم الجديد قد يُقلل وقت هذا العمل إلى الربع أو الثلث. وقد عرض صاحبنا هذه الشاشات على مهندسي نظم المعلومات والذين لم يعترضوا عليها ولكنهم أوضحوا أنها ستدخل في طابور الأعمال الكثيرة المطلوبة منهم، ولم يستطع صاحبنا الاعتراض لأن معظم الأعمال التي تشغلهم تخص عمل التخطيط.
ترك صاحبنا الأمر ولكنه في يوم الجمعة جاءته فكرة جديدة وقد عبَّر عنها قائلا: ولماذا نقوم بهذا العمل أصلا؟ لِمَ لا نجعل نظام المعلومات يقوم بها، ثم نقوم نحن بالمراجعة واعتماد ما قام به الحاسوب؟ إن عملية الاختيار تخضع لخطوات منطقية يمكن أن يقوم بها الحاسوب بدلا من مهندس التخطيط، ثم يقوم المهندس بمراجعة سريعة لاختيارات الحاسوب ويوافق عليها أو يُغيِّر بعضها إن احتاج ذلك. قرر صاحبنا أن يعرض الفكرة على فريق العمل في أقرب فرصة وظن أنها قد تجعل هذا العمل من أبسط وأسرع الأعمال بعد أن كان من أبطأ الأعمال.
انتشار ثقافة السبورة
كما ذكرتُ من قبل فإن صاحبنا قد بادر بوضع سبورة في مكتب التخطيط وكذلك في غرفة الاجتماعات، وقد لاحظ بعد مرور قرابة شهرين أن أقساما أخرى في نفس منطقة العمل تتبع نفس النهج وتقوم بوضوع سبورات على الحائط في مكاتبهم. وقد سعِد صاحبنا بذلك وقال: إننا كثير ما ننسى أن الآخرين يراقبوننا وقد يقومون بتقليدنا فإن قمنا بعمل متميز فقد يقومون بمثله وإن قمنا بعمل سيء فقد يقومون بمثله، والحمد لله أنني قمت بعمل مفيد.
ويستمر استخدام السبورة في عرض خطة الإنتاج وخطة حضور المهندسين وبعض الأمور المُعلَّقة. وذات يوم كان مهندس التخطيط يقوم بإعداد الخطة الأسبوعية للإنتاج وواجه صعوبة في تحديد موعد إنتاج بعض الطلبات نظرا لتخوفه من تأخر الإنتاج عن موعد التسليم، ونظرا لوجود عدة بدائل تحيَّر هو في اختيار أحدها، فقد عرض الأمر على مساعد المدير ثم تحول الأمر إلى نقاش جماعي اشترك فيه كل العاملين في التخطيط، وكان النقاش شفهيا وبدا الاختيار بين البدائل أمرا صعبا، وكاد النقاش أن يُسفِرَ عن اختيار أحد البدائل، ثم طلب صاحبنا من ذلك المهندس أن يكتب تلك البدائل على السبورة، فقام بكتابتها وتحول الجميع إلى السبورة يستعرضون البدائل، ولم يستغرق الأمر كثيرا حتى ظهر أن الاختيار الأفضل واضحا.
وقد أظهر مساعد المدير سعادته بتلك المناقشة ولم يُخفِ أنه بعد كتابة البدائل على السبورة غيَّر رأيه. وقد كان صاحبنا سعيدا بجلسة عصف الذهن القصيرة وبدراسة الخطة الأسبوعية بعناية. ويعلق صاحبنا قائلا: إن كتابة البدائل أو المقترحات على السبورة أمام الجميع ثم استبعاد غير المناسب منها يساعد على الوصول لقرار سليم في وقت قصير، وهذا يختلف عن النقاش الشفهي في أن الحقائق معروضة وأنه لا يتم الرجوع إلى بديل بعد تبين أنه غير مناسب، وهذه إحدى فوائد السبورة.
حماس وابتسامة
ويظل صاحبنا متابعا للحالة المزاجية لمهندسي التخطيط فيلاحظ انهما بدآ يُظهران مزيدا من الحماس، وقد ظهر ذلك في جدية المناقشات والمقترحات، وأنهما طلبا بعض التعديلات في نظام المعلومات لكي يوفر الوقت ويحل بعض المشاكل. وهذا أمر أسعد صاحبنا كثيرا، ولكن صاحبنا يرى أن الطريق ما زال طويلا حتى يستمتع مهندسو التخطيط بعملهم.



[...] يوميات مدير – 6 [...]
نشكركم على هذه الأطروحات والنماذج المفيدة