بينما اهتم كل مدير عملية إنتاجية بعمليته وحدها، فإن أحدا لم يكن مسئولا عن عملية تبريد المنتج، بل إن أحدا لم يهتم بها، وأما صاحبنا فمنذ أن بداعمله في تخطيط الإنتاج وهو يتساءل عن كيفية تحسين أو تسريع عملية تبريد المنتج.
تبريد المنتج….من يهتم به؟
يعمل صاحبنا في شركة تنتج منتجا معدنيا وهذا المنتج يتم إنتاجه على شكل لفائف تزن الواحدة منها عادة ما بين 15 و22 طنا، وهذا المنتج يتم إنتاجه عند درجة حرارة عالية ثم يتم تبريده جزئيا ويتم لفه عند درجة حرارة تتجاوز 500 درجة مئوية، وبعد ذلك يتم تركه للتبريد الطبيعي والذي يستغرق قرابة خمسة أيام، وبعد التبريد قد يصبح المنتج جاهزا للشحن أويحتاج بعض العمليات الصناعية الأخرى حسب طلب العميل. وجد صاحبنا أن العمليات التصنيعية التي تتم على المنتج الذي يمر بكل المراحل الممكنة تستغرق وقتا صافيا لايزيد عن خمس أو ست ساعات بينما عملية التبريد وحدها تستغرق خمسة أيام.
لم يكن وقت التبريد مصدر إزعاج لأحد من فبل لأن المخزون من المنتجات نصف المصنعة كان كبيرا وبالتالي فإن المنتج قد لا يتم تشغيله في المرحلة التالية إلابعد أسبوع أو اثنين، وكان التفكير دائما في كمية المنتج لا في سرعة تسليمه للعميل. ولكن صاحبنا انزعج كثيرا من طول فترة التبريد وبدأ منذ بداية عمله يسأل بين الحين والآخر عن إمكانية تقليصها وكان السؤال يصيب الآخرين بالدهشة، وكانت الإجابة عادة أنه يجب تبريد المنتج تبريدا طبيعيا وهذا هوالوقت اللازم للتبريد الطبيعي. وظل صاحبنا يتمنى لو وجد أسلوب التخفيض زمن التبريد ولكنه لم يجد سبيلا لذلك.
تخفيض المخزون يكشف المشاكل
عادة ما يستخدم شكل السفينة التي تمر في مجرى مائي مليء بالصخور والأحجار كمثال لتوضيح أهمية تقليل المخزون، فالمجرى المائي هوالعمليات الصناعية والصخور هي الفواقد والمشاكل والماء هو المخزون من المنتجات نصف المصنعة، فكلما كان الماء عاليا كلما ضعف شعورنا بوجود الصخور والأحجار في النهر، وكلما قل الماء كلما بدأنا نشعر بوجود هذه العوائق أسفل المجرى المائي وهذا سيدعونا للتخلص منها لأنها ستعوق حركة السفينة. فكلما كثر المخزون من المنتجات نصف المصنعة كلما ضعف شعورنا بوجود المشاكل، وكلما قل هذا المخزون كلما أدركنا وجود المشاكل وكان ذلك دافعا للتخلص منها لأنها تهدد توقف المصنع. فإذا كان المخزون بين المرحلة الأولى والثانية ألف قطعة فإننا لو وجدنا أول مائة منها معيبة فإننا سناخذ غيرها ولن تتوقف المرحلة الثانية وبالتالي فإن إحساسنا بالمشكلة سيكون ضعيفا، أما إن كان المخزون بين المرحلة الأولى والثانية مائة قطعة ووجدناها معيبة فإن المرحلة الثانية ستتوقف ريثما يصلها إنتاج جديد من المرحلة الأولى، وهذا يبدو سيئا ولكنه في الحقيقة سيجعلنا ندرك المشكلة ونحرص أشد الحرص على ألا تتكرر مرة أخرى.
وكما ذكرنا فإن صاحبنا عمل مع فريق العمل في التخطيط على تقليل المخزون من المنتج نصف المصنع عن طريق أمرين أساسين: تخطيط المرحلة الأولى بحيث يتم مراعاة طاقة تشغيل المراحل التالية أي أن المنتج الذي سيمر بالمرحلة الثالثة – على سبيل المثال – لا يتم إنتاجه بكمية كبيرة تفوق الطاقة اليومية للتشغيل في المرحلة الثالثة، الثاني هو أمرالتشغيل الإلكتروني الذي جعل المنتج يتحرك بين العمليات المختلفة في نفس اليوم دون الحاجة لانتظار مهندسي التخطيط لكي يصدروا أمر تشغيل للمرحلة التالية. بهذه الطريقة انخفض المخزون من المنتجات نصف المصنعة إلى حوالي 60% من كميته قبل ذلك وانخفض وقت التصنيع الكلي إلى حوالي 60% من طوله قبل ذلك.
وكما يقول المثال فإن تخفيض المخزون أظهر بعض المشاكل والفواقد في العمليات، فنتيجة لسرعة حركة المنتج نصف المصنع فإن المنتج أصبح يدخل مراحل التشغيل بمجرد تبريده وبدأ طول مدة التبريد أكثر من الأيام الخمسة يعوق سرعة تصنيع المنتج، وأصبح بطء التبريد مشكلة مطروحة، وكان رد احد المسئولين أن شيئا لم يتغير في أسلوب العمل ولكن أسلوب التخطيط جعل العملية سريعة مما جعل التبريد يبدو بطيئا. وبدأت بعض المحاولات لتحسين عملية تخزين المنتج نصف المصنع لكي لا يتأخر تبريده عن الأيام الخمسة خاصة وأن ذلك كان في وقت الصيف، وظلت هناك أوقات لا يتم فيها تشغيل المنتج في الموعد المخطط نتيجة لأنه مازال ساخنا.
وفي إحدى الطلبيات استغرق تصنيع المنتج وتبريده وتشغيله خمسة أو ستة أيام ولكن تغليفه استغرق وقتا أطول من ذلك، واتضح ان هذه النوعية من المنتج تحتاج نوعية تغليف خاصة يستغرق طلبها عشرة أيام عادة. وهنا أصبح طول مدة توريد مواد التغليف غير مناسب لسرعة العمليات، وكان الرد أن عملية التغليف لم يحدث بها خلل ولكن عملية التصنيع أصبحت سريعة. وبدأت محاولات للضغط على المورد لتقليل مدة التوريد مستقبلا ليواكب سرعة التصنيع.
كما أظهر نقص المخزون من المنتجات نصف المصنعة قلة مرونة العديد من العمليات، فقد أصبح لزاما على كل مرحلة تشغيل منتجات بعينها في يوم محدد ونظرالعدم وجود مخزون كبير فإنه ليس هناك خيار لهذه المرحلة سوى تشغيل هذه المنتجات أوالتوقف، فظهر أن بعض المراحل ليس لديها القدرة او الرغبة على أن تكون مرنة بحيث يمكنها تشغيل منتج ما ثم التحول لمنتج آخر في نفس اليوم نتيجة لبطء عمليات ضبط الماكينة من منتج لمنتج آخر وطول مدة تغيير بعض الأجزاء. كما ظهرت عدة مشاكل أخرى مثل مشاكل الجودة وبطء التشغيل احيانا.
كان هذا متماشيا مع مثال المجرى المائي وأصبح نقص المخزون وسرعة حركة المنتج من مرحلة لأخرى وسيلة لكشف القصور في العمليات كلها.
دراسة عملية التبريد
ظل صاحبنا يتابع فترة تبريد المنتج ويحاول البحث عن بديل يقلل مدة التبريد خاصة وانه بعد تقليل فترات الانتظار وبالتالي مدة التصنيع الكلية أصبح التبريد يشكل حوالي 90% من مدة التصنيع الكلية، ووجد ذات يوم موقعا إلكترونيا لشركة تزعم انها تستخدم الماء لتبريد المنتج في بضع ساعات، فعرض ذلك على المتخصصين علوم المواد من زملائه فأفادوا بأن هذا التبريد السريع لا مانع منه بعد وصول المعدن لدرجة 210 درجة مئوية وان هذا لا يصلح سوى لنوع محدد من المنتجات وهي تلك التي يتم معالجتها بالحامض قبل بيعها، ولكن أحدا لا يعرف الوقت الذي يستغرقه المنتج ليصل لدرجة 210 درجة مئوية، كما وأن صاحبنا ظل مترددا في المضي قدما في هذه الفكرة التي تبدو لكثير من زملائه كفكرة طائشة لا سبب لها.
وبحث صاحبنا عن جهاز لقياس الحرارة يصلح لقياس حرارة المعدن ووجده متوفرا لدى قسم آخر فاستعاره، وصادف ذلك انضمام مهندس جديد للتخطيط فعهد إليه بمتابعة درجات حرارة المنتج لتحديد زمن التبريد على وجه الدقة وتحديد معدل انخفاض الحرارة. وبدأ المهندس الجديد في أخذ قياسات يومية لدرجة حرارة عينة المنتج، وظلت هذه العملية لعدة أسابيع.
وقد أفادت هذه القياسات في عدة نواح أولها أنه اتضح ان المنتج يصل لدرجة حرارة أقل من 200 درجة مئوية في حوالي يوم واحد وهوما يجعل فكرة التبريد السريع بعد ذلك فكرة مطروحة بقوة لانها ستقلل المدة الباقية من أربعة أيام لعدة ساعات. ثانيها أن التبريد يبدأ سريعا ثم يقل معدله كثيرا. ثالثها أنه تم تحديد زمن التبريد ولوحظ اختلافه حسب حجم المنتج وهو ما يفيد كثيرا في عملية التخطيط. كما ساعدت القياسات على فهم عملية التبريد
وبدأ صاحبنا في اتخاذ خطوات عملية نحو تجربة التبريد السريع للمنتج، فاستعد لإجراء التجربة على قطعة واحدة المنتج بعد يوم واحد من إنتاجه وبالفعل قام بالتجربة بمساعدة زملائه وتم تبريد المنتج عن طريق الرش بالماء لخمس ساعات ثم تم معالجته بالحامض وخرج المنتج سليما. وشجع نجاح التجربة صاحبنا على التخطيط لتكرارها عن طريق التبريد بالغمر في الماء فعقد اجتماعا فوجئ فيه بهجوم أحد الحاضرين على الفكرة هجوما حادا زاعما ان هذا أمر غير علمي، وعبثا حاول مهندسو المواد إقناعه، وأصر صاحبنا على إجراء التجربة والاختبارات التالية لها للتأكد من سلامة هذه العملية تمهيدا لاستخدامها في بعض الحالات بشكل مستمر. وكنتيجة للهجوم على الفكرة استشار أحد المهندسين بعض الأصدقاء في شركة أجنبية فأفادوا بجدوى الفكرة وأنها مطبقة في شركة أوروبية، وكان هذا تشجيعا كبيرا لفريق العمل ولكل المؤمنين بالفكرة.
وبالفعل بدأ في التحضير لغمر إحدى لقائف المنتج في حوض مياه، وكان هذا يحتاج عملية نقل ورفع وتجهيز مما استدعى تنسيق مع عدة إدارات، بل وطلب صاحبنا المساعدة من زملائه في الصيانة حيث كان يعمل منذ مدة طويلة فأبدوا استعداداهم وأحضروا بعض المواد اللازمة لعملية الرفع. ولكن اضطر صاحبنا لتأجيل التجربة نتيجة لانشغال الرافعة التي سترفع اللفة لتغمرها في الماء، وتم تحديد موعد آخر.
وللحديث بقية إن شاء الله لنرى ماذا حدث في تلك التجربة.
موضوعات ذات صلة:



مشكورين جدا جدا على هذه اليوميات المفيدة , جعلها الله سبحانه في ميزان حسناتكم .
شكرا