يوم التجربة:
ظلَّ صاحبنا قلقلا قبل موعد التجربة إذ كان يخشى من عدم نجاح التنسيق بين الأقسام المختلفة، كما كان يخشى من عملية نقل ورفع المنتج نظرا لثقله.
وفي اليوم المحدد لتجربة تبريد المنتج بالماء، حضر عدد كبير من المهندسين والفنيين ونجح تنسيق المعدات التي ستنقل المنتج والتي سترفعه، وبالفعل تم غمر المنتج في حوض المياه، وتم تبريده في حوالي ساعتين. كانت هذه نتيجة عظيمة فكما تذكر فإن المنتج يتم تبريده في خمسة أيام، بينما في هذه التجربة تم غمره في الماء بعد إنتاجه بحوالي 16 ساعة أي أن زمن التبريد الكلي أصبح أقل من يوم واحد وهو ما يعني توفير أربعة أيام كاملة.
ولكن نجاح التجربة أو فشلها كان يتوقف على إمكانية تشغيل المنتج ونتائج العديد من الاختبارات، وبالفعل تم معالجة المنتج بالحامض ولم تظهر مشاكل ثم تم تقطيعه للمقاسات المطلوبة بشكل طبيعي. ظل صاحبنا وفريق العمل ينتظر نتيجة الاختبارات المعملية والتي جاءت إيجابية وأفادت بان خواص المنتج لم تتغير، ثم تم اختبار المنتج لدى أحد العملاء وكانت النتيجة إيجابية أيضا.
لم يتبق سوى الحصول على موافقة الإدارة على تطبيق الفكرة، وبالفعل تم تحديد موعد لذلك واستعد فريق العمل لعرض الفكرة والتجربة والنتائج والفوائد المتوقعة، ولكن لم يتمكن فريق العمل من عرض الفكرة نظرا لانشغال بعض المديرين وتم تأجيلا الموعد لوقت لاحق.
هل ينجح هذا الفريق في إقناع الإدارة بجدوى فكرته؟ هذا سؤال ننتظرالإجابة عليه.
السيرك والصناعة
حضر سيرك أجنبي في المدينة وبدأت المدارس في إرسال الرحلات للسيرك،فبدا لصاحبنا أن يأخذ الأسرة في رحلة إلى السيرك. كانت هناك حفلتان في السادسة مساء ثم في التاسعة مساء. كانت العروض مثيرة وكان عدد المشاهدين كبيرا، وبدأت العروض بعرض الأسود ثم تلتها ألعاب أخرى متفرقة مثل القفزات على ارتفاعات عالية وعروض القطط وغيرها وكان آخرهاعرض الدراجات النارية (الموتوسيكلات).
وقد أعجب صاحبنا بامرين لهما ارتباط قوي بالصناعة وهما وقت الإعداد لكل عرض والقدرة على التناغم الدقيق في بعض الفقرات. كانت فقرة الأسود تستلزم وجود قفص حديدي حول حلقة العرض كما تستلتزم وجود بعض الحواجز وبعض المساند التي يجلس عليها الأسود، وكانت فقرة القفز على ارتفاع عال من نقطة لاخرى تستلزم الكثير من الحبال والسلالم وشبكة كبيرة مرتفعة عن الأرض تحسبا لسقوط احد العارضين، وكانت فقرة أخرى تسلتزم إدخال عجلتين كبيرتين جدا، وكانت فقرة الدراجات النارية تستلزم إدخال وتثبيت كرة كبيرة جدا يتحرك داخلها الدراجات النارية، وهكذا كان كل عرض يستلزم تجهيز حلقة العرض.
ولكن كل ذلك كان يتم بسرعة كبيرة جدا، كيف؟
1- بعض الأدوات التي لا تتعارض مع فقرات أخرى موجودة بالفعل بما لا يعوق باقي العروض ولا يقف حائلا بين المشاهد وحلقة العرض، مثال ذلك: الممر الحديدي الذي يدخل منه الأسود، الكثير من الحبال الثابتة والمتأرجحة مثبتة أعلى الحلقة، السلالم متدلية في جانب الحلقة وهي صغيرة بحيث لا تعوق الرؤية.
2- جميع الأدوات تقريبا يتم تجميعها أو تثبيتها أو تفكيكها دون الحاجة لربط أي مسمار، فالقفص الحديدي الكبير يتم فكه بسرعة لأنه مكون من أجزاء يتم تشبيكها في بعضها البعض، والشبكة الكبيرة التي توضع أسفل القافزين يتم شدها وتثبيتها في وصلات ثابتة في الحلقة
3- الأدوات الثقيلة يتم نقلها دون الحاجة لرافعات كبيرة، فالحلقة الكبيرة اللازمة للدراجات النارية يتم تحريكها على أربع عجلات
4- يتم شغل وقت الإعداد لكل فقرة بعروض مسلية يقودها ما يعرف بالمهرج، حتى أنك ربما لا تلاحظ أن هناك من يقوم بتجهيز الحلقة
لاحظ صاحبنا كيف أن وقت الإعداد Set up time قصير جدا، وقد أثار هذا إعجابة حتى أنه ناقش الأمر مع زملائه في العمل وقال: إنهم لو لم يجتهدوا في تبسيط عملية الإعداد لكل فقرة لكان عليك الذهاب للسيرك يوميا لمدة أسبوع فاليوم هو يوم الأسود وغدا هو يوم القفزالعالي وبعد غد الدراجات النارية وهكذا، ولاحتاج الأمر لرافعات عملاقة لتحريك هذه الأشياء الثقيلة. هذا تماما ما يحدث في الصناعة، فتجد مدير الإنتاج يقول أنه يجب تقليل عمليات التغيير من منتج لآخر لأن وقت التغيير طويل، وإذا قلت لماذا؟ ظلَّ يبين لك عظم حجم الأجزاء التي يتم تغييرها وصعوبة الضبط ….. وكأنَّ هذا الزمن لا يمكن تقصيره، وكأنَّ العملية لا يمكن تبسيطها، وكأنَّ كل شيء لابد من رفعه بروافع عملاقة، وكل شيء يجب ربطه بمسامير كثيرة.
كنتُ قد كتبت مقالة عن تقصير وقت الإعداد وتحدثت عن تحويل الإعداد الداخلي إلى إعداد خارجي، وكما ترى فإن مصممي السيرك قاموا بنقل الكثير من الإعداد الداخلي (أي الذي يتم أثناء توقف العرض) إلى إعداد خارجي (يتم في وقت غير وقت العرض) وذلك بتجهيز الحلقة بالكثير من الأشياء التي لا تعوق العروض الأخرى. كما تحدثت عن التثبيت والفك من ربطة واحدة وهو ما ينطبق على السيرك حيث أنه لا توجد عمليات ربط بل هي في الأغلب عمليات تشبيك. كما ناقشت تقصير وقت الإعداد الداخلي وتبسيط تلك العمليات وهوما يتم تطبيقه في السيرك عن طريق تبسيط عمليات النقل وذلك باستخدام العجلات أو نقل الأجزاء الكبيرة مفككة وتجميعها في الحلقة.
أما التوافق والتناغم فقد ظهر جليا في فقرة القفز العالي حيث يقفز لاعب في الهواء فيلتقطه الآخر في نقطة اخرى بشكل بديع، ففكر صاحبنا هل يمكن ان يصل التناغم بين مراحل الإنتاج كما هو بين لاعبي القفز العالي، هل يمكن أن يخرج المنتج نصف المصنع من مرحلة فيجد المرحلة التالية تتلقفه فورا دون انتظار؟ إذا كان لاعبي السيرك يستطيعون أن ينسقوا القفز بهذه الدقة فلابد ان العمال في المصنع يمكنهم ان ينسقوا العمل بين مراحل الإنتاج المختلفة.
والنقطة المشتركة في الأمرين هي أن تقول “سنحسن كذا” بدلا من اعتبار أن الأمور لا تقبل التغيير وأنها من طبيعة الصناعة.
شجيو شنجو
يذكر صاحبنا أنه قرأ في كتاب لشجيو شنجو -أستاذ الهندسة الصناعية الياباني الذي اخترع عملية تغييرالمنتج في دقيقة واحدة SMED- في كتابه: دراسة في نظام تويوتا الإنتاجي:
تنبع القدرة على التخلص من الفواقد في العمليات الإنتاجية من التخلص من معتقد “لا يوجد طريقة أخرى No other way” لأداء عملية ما. إن مقولة “لابد من العمل بهذه الطريقة” هي مقولة عديمة الفائدة.
في تويوتا وجدنا أنه يوجد دائما طريق آخر. نحن ننظر إلى الفواقد التي يعتبرها الناس فواقد لا مفر منها أو لا يعتبرونها مشكلة. عندما نكتشف طريقة تؤدي لوجود فواقد فإننا لا نقول “لا يمكن تغيير ذلك” بل نقول “هذا لا يضيف قيمة وبالتالي فسوف نغيره…..
السلوك الإيجابي هو امر أساسي جدا في عملية التخلص من الفواقد. طالما تقبلنا الوضع الحالي بقولنا “لا يوجد طريق آخر” فسنفقد فرصا للتحسين. لا يمكننا أن نجد الفواقد ونتخلص منها ما لم نكن نبحث عنها.
هذا هو مربط الفرس، فلا تقل هذه طبيعة العمل ولكن ابحث دائما عن البدائل، ولا تتحجج بدقة الصناعة أو عظم حجم الأجزاء ولكن فكر في طرق للتبسيط. والأمر ينطبق على عملية تبريد المنتج بالماء، فالفكرة ليست فكرة عجيبة فالتبريد بالماء أمر شائع في الصناعة والحياة ولكن تطبيقه في هذا المنتج لم يكن مطروحا لمجرد القناعة بانه لا يوجد بديل عن التبريد الطبيعي لمدة خمسة أيام. طالما اعتقدت انه لا يوجد وسيلة أخرى فلن تبحث عنها حتى لو كانت أمام عينيك.



موضوعات رائعة ومفيدة … الله يجزيكم خيرا .
مقالة اكثر من رائعة
الأستاذ محمد الكافوري
جميل أن نسمع منك بعد طول غياب.
شكرا
شكرا باشمهندس سامح,
ال 25 دقيقة لازمة لدخول المنتج للعملية الاولى يعنى BVA Time (ذات قيمة للعملية) وهى بالطبع ليست ذات قيمة تضاف للعميل.
ممكن تفيدنا يابشمهندس فى موضوع التفكير خارج الصندوق (thinking out of the box) وهل مثال مشاهدة صاحبنا فى اليوميات للسيرك والمقاربة التى اجراها فى ذهنه مثال لذالك؟
على سبيل المثال فإن أول عرض في السيرك هو عرض الأسود مما يعني أن تركيب القفص الحديدي حول حلقة العرض يتم قبل وصول المشاهدين وبالتالي فإن هذا الوقت يتم توفيره أثناء العرض.
حاول وابحث وستصل إن شاء الله. لابد من تحليل العملية ومتابعتها والتفكير فيها ثم الوصول لحل.
شكرا
أولاً لك التحية باشمهندس سامح,
فى مكان عملي “مصنع لانتاج ارضيات الفنييل” نقوم بترك احد عمال الصيانة دائماً فى وردية منفصله من 23:00 الى 6:00 ص, بين الورديتين , الوردية الاولى من 6 ص الى 14:30 والثانية من 14:30 الى 23:00, ليقوم بتشغيل المكائن التى تحتاج الى ساعتين لترتفع درجة حرارتها الى 160 درجة وهى المناسبة للتشغيل.
يتم أعداد الخلطة (وزن المواد) فى حوالى 15 دقيقة, يقوم الشفت (الورية) بتجهيز 3 خلطات: الاولى تترك فى السيلو الذى يغذى مكائن العجن, الثانية فى الخلاط والثالثة فى منصة الاعداد, وبذالك يمكن للشفت الصباحى بدء الانتاج فوراً ولايحتاج الى ل 25 دقيقة حتى تدخل العجينة المرحلة الاولى من الانتاج.
أعتقد بهذا يمكن ان نقول اننا خفضنا زمن الاعداد الى 25 دقيقة بدل من ساعتين ونصف (بعتبار زمن التجهيز للخلطة الاولى ونقلها من الخلاط الى السيلوهات ومن ثم الى مكائن العجن).
هل هناك اختيار (طريقة) افضل ؟ لاحظ ان الغليات تحتاج الى وقت للتوقف.
المهندس محمد
من الواضح أنكم قمتم بخطوة رائعة ولكن التحسين لا ينتهي، وهذا التحسين لا يأتي إلا بتحليل الوضع الحالي ومحاول ابتكار أفكار جديدة. ولا يمكنني تحليل العملية عن بعد ولكن ربما يمكن تجهيز العجائن قبل بداية الوردية بمعنى أن يحضر عدد قليل من الوردية قبل موعجها بـ 25 دقيقة لتجهيز العجائن وبالتالي يكون زمن التجهيز تقريبا صفر من حيث تعطيل الوردية.
شكرا