وبينما يدخل فصل الشتاء، وتهطل الأمطار، يمر صاحبنا ورفاقه ببعض الأمواج، ويحتمون من المشاكل ببعض الاحتياطات.
التنويه الإلكتروني
نجح فريق العمل – كما ذكرتُ من قبل- في إنشاء برنامج التخصيص الإلكتروني أي أن مسئول المبيعات أصبح يقوم بتخصيص بعض المنتجات من المخزون لبعض العقود الجديدة تخصيصا مبدئيا، ثم يقوم أحد مهندسي التخطيط بمراجعة ذلك واعتماده، ويتم ذلك من خلال نظام المعلومات. كانت هذه العملية تتم في السابق عن طريق الأوراق والزيارات – من مسئولي المبيعات لمهندسي التخطيط – والتليفونات والبريد الإلكتروني، وكانت عملية بطيئة ومزعجة. لقد نجح هذا النظام في تطوير هذه الجزئية من العمل تطويرا ملحوظا.
ولكن ظلًّت هناك مشكلة واحدة وهي أن مسئول المبيعات عليه أن يُخطر مهندس التخطيط بأنه قد قام بالتخصيص لعقود كذا وكذا لكي يقوم مهندس التخطيط بمراجعة ذلك التخصييص واعتماده أو إلغائه. وكان الإخطار يتم بالتليفون أو البريد الإلكتروني أو بعض الزيارات لمكتب التخطيط، وتسبب ذلك في احتمالية تأخر بعض عمليات المراجعة والاعتماد أو نسيانها أحيانا بالإضافة لإزعاج التليفونات وقطع العمل بالزيارات.
تذكًّر صاحبنا فكرةً كانت مطروحة من قبل وسبق تطبيقها في عدة أمور ألا وهي التنويه الإلكتروني أي أن يخطر مسئولُ المبيعات مهندسي التخطيط إلكترونيا بحاجته لمراجعة واعتماد ما قام به من تخصيص. وبالفعل بدأ مع مدير نظم المعلومات في التجهيز لهذه الخطوة. وبالقعل قام مدير نظم المعلومات بإتمامها بأسلوب سهل وفي وقت قصير، وفور إتمامها بدأ مسئولي المبيعات في استخدامها.
لقد أصبح اعتماد أو إلغاء التخصيص يتم فور طلبه بدون أي حاجة للاتصالات التليفونية أو الزيارات، وأصبح من المستحيل نسيان أيا من هذه الطلبات لأن التنويه الإلكتروني يظل يظهر على شاشة الحاسوب كل نصف ساعة طالما لم يتم تنفيذ أيا من هذه الطلبات.
عصر المحمول
فكَّر صاحبنا في أن أسلوب العمل قد يختلف مستقبلا ويتم استخدام الهاتف (التليفون)المحمول بشكل كبير في العمل، وتساءل لماذا لم نقم باستخدام الهاتف (التليفون) المحمول حتى الآن في متابعة العمل؟ كانت لصاحبنا تجربة من قبل مع أحد مهندسي نظم المعلومات حين فكروا في استخدام الرسائل النصية في متابعة طلبات الشراء، ونجحت الفكرة فنيا ولكنها لم تلق الدعم الإداري فتوقف الأمر عند هذا الحد. ولكن الآن بعد عدة سنوات أصبح هناك بعض الدعم الإداري لاستخدام هذه الفكرة.
تشاور صاحبنا مع مهندسي نظم المعلومات حول الفكرة وتم الاتفاق على تطبيقها على سبيل التجربة في متابعة إحدى الطلبيات (العقود) التي كانت في مرحلة التسليم، وتم الاتفاق على إرسال رسالة على الهاتف المحمول في أوقات محددة يوميا لمسئولي التخطيط والمبيعات تُلخِّص موقف هذه الطلبية.
وفي أول تجربة واجه مهندس نظم المعلومات بعض المشاكل التقنية وأرسل الرسالة في موعد متأخرة وجاءت مختصرة جدا بحيث يصعب فهمها. وفي اليوم التالي بذل مهندسو نظم المعلومات بعض الجهد لتطوير الرسالة، وبالفعل صارت الرسالة واضحة وتمكنوا من إرسالها في الأوقات المحددة.

وأثارت التجربة بعض المناقشات والاقتراحات، وكان منها أن إرسال رسالة في أوقات محددة ربما لا يلبِّي حاجة المستقبل وربما أزعجه برسائل لا يحتاجها، وإنما الخدمة الحقيقية هي في الحصول على المعلومة وقت الحاجة إليها، ومن هنا نشأت فكرة أن يرسل الشخص الذي يحتاج أن يتابع طلبية بعينها رقم الطلبية فيرد عليه النظام برسالة تحوي معلومات عن تطور إنتاج وتسليم تلك الطلبية. وبدأت الأفكار تتوالى، فاقترح مدير صاحبنا أن يكون هناك رسائل متنوعة بحيث يمكن له أن يرسل رسالة ليسأل عن المخزون أو الإنتاج ليومي أو الشهري وغير ذلك. وبالفعل قام صاحبنا ورفاقه بإعداد مجموعة من الرسائل التي يمكن لأي شخص أن يرسلها فيرد عليه نظام المعلومات برسالة فورية تفيده بما يريد.
وبدات التجارب والتطوير برسالة واحدة، وكان الخلاف حول الكلمات التي على المرسل أن يرسلها واحتمالية الخطأ فيها، واقترح مهندسو نظم المعلومات فكرة إنشاء برنامج يتم وضعه (تنصيبه) على الهاتف المحمول ويتمكن من خلاله مستخدم الهاتف من طلب المعلومات من خلال مجموعة من الأيقونات أو القوائم دون الحاجة إلى إرسال رسائل نصية.
مصري أم أجنبي؟
في أحد الاجتماعات الصباحية سأل صاحبنا المدير المساعد عن رحلته النيلية التي ينوي القيام بين للأقصر وأسوان وسأله عن اسم السفينة وتطرَّق إلى أن البعض يُفضِّل السفن التي يكون بها ركاب أجانب بجانب الركاب المصريين لأن مستوى الخدمة يكون أفضل نتيجة لوجود أجانب على السفينة، وأشار صاحبنا إلى أن هذا أمر سيء وعقَّب كلٌ من الحاضرين مُبْدِيا استياءه من هذه الظاهرة، ثمَّ ذكر بعضهم أحد المواقف في فيلم سينمائي تسخر من تفضيل الأجنبي على المصري، ثم سألهم صاحبنا: ماذا سنفعل لو ظهرت عيوب في جودة طلبية العميل كذا (لنسميه توني)؟ فأجابوا: سنقوم بإنتاجه مرة أخرى فورا، فردَّ صاحبنا قائلا: ولكنني أقصد توني المصري وليس الأجنبي؟ فردُّوا باستهتار قائلين: لا يهم…في وقت لاحق…، فقال لهم صاحبنا: إننا نقوم بنفس الأمر فنحن نعامل توني الأجنبي معاملة تختلف تماما عن توني المصري بينما نحن نشكو من معاملة المصريين معاملة أقل من الأجانب، وبدأ الجميع في الدفاع وشرح أسباب الاهتمام بالعميل الأجنبي.
وكانت مناقشة مثيرة فبينما الكل يتفق على وجوب معاملة كل الناس معاملة واحدة، فهم يرون أنهم في تخطيطهم للإنتاج عليهم أن يهتموا أولا بمواعيد تسليم العملاء من الدول الأخرى، وقال بعضهم: إن العملاء الدوليين يستلمون بضاعتهم عن طريق سفن وهناك تكلفة كبيرة لو تأخرنا عن ميعاد السفينة، وأشار بعضهم إلى أن الشركة نفسها تهتم بالعملاء الدوليين، وقال بعضهم إن المسئول عن المبيعات المحلية نفسه لا يُعارض إذا ما طلبنا منه إنتاج بعض طلبيات العلماء الدوليين والتي ستؤدي لتأخير بعض الطلبيات المحلية، وفي نفس الوقت أشار صاحبنا إلى أن العميل المحلي هو أكثر أهمية في الحقيقة من العميل الأجنبي نظرا لأنه من المتوقع أن يظلَّ عميلا لنا لسنين عديدة، بينما العميل الأجنبي ربما يشتري منا مرة ثم يشتري من أي دولة أخرى، كما وأن العميل المحلي الذي يطلب كمية صغيرة قد يتوقف مصنعه إذا لم يستلم طلبيته وهذا العميل يوظف أقاربنا وأهلنا، كما أشار إلى أن مواعيد السفن يتم الاتفاق عليها مسبقا وبالتالي فليست هناك ضرورة لقبول مواعيد مبكرة للعملاء الدوليين، كما ذكر أن أحدا بالشركة لم يعلن أن الأولوية هي للعملاء الأجانب بل كثيرا ما يُهاجم التخطيط نظرا لتأخره في تسليم بعض العملاء المحليين…..
ولم يستطع صاحبنا أن يحسم الأمر نظرا لعمق ثقافة إعطاء الأولوية للعميل الأجنبي، ونظرا لوجود ضغوط للالتزام بمواعيد السفن ومواعيد الاعتمادات البنكية، ونظرا لأن العملاء المحليين لا يطلبون مواعيد محددة لا ستلام طلبياتهم، ولكن صاحبنا ظنَّ أن هذه بداية جيدة لفتح الموضوع ولمحاولة زيادة الاهتمام بالعملاء المحليين.
مصدر الفوضى
في إحدى الشهور ونتيجة لبعض مشاكل التشغيل، اضطر صاحبنا ورفاقه إلى إنتاج طلبية كبيرة متماثلة في النوع تقريبا في خلال أسوعين متتاليين، وذلك للالتزام بموعد التسليم والشحن، وقد كان هذا تحديا نجح فريق العمل في اجتيازه ولكن بتضحيات عديدة. نتيجة لأن الطلبية متماثلة ولأنها كلها تحتاج للتشغيل في ماكينة أواحدة بعد إنتاجها، فإن تلك الماكينة قد أصبحت مشغولة تماما أو في الحقيقة أصبحت محملة بأكثر من طاقتها. ومما زاد من حجم المشكلة أن بعض المنتج احتاج لإعادة تشغيل في تلك الماكينة مما زاد من تحميلها.
وبعد الانتهاء من إنتاج تلك الطلبية حاول صاحبنا ورفاقه تقليل الحمل على تلك الماكينة ريثما تنتهي من الكميات الكبيرة التي تنتظر التشغيل، وقد كان هذا أمرا مفيدا. ولكن فيما تبقى المن الشهر أصبحت هناك ضرورة لزيادة التحميل على تلك الماكية لاستكمال عقود متأخرة. وقد زاد من تعقيد الأمور أن إحدى مراحل التشغيل كانت ستمر بفترة صيانة مخططة ولذلك كان لابد من تحميلها قليلا لكي لا تكون هناك حاجة مُلِحَّة إليها في فترة التوقف. حاول صاحبنا وفريق العمل موازنة كل تلك الأمور ولكن كانت الأمور معقدة.
باختصار فشل صاحبنا ورفاقه في ذلك الشهر في المحافظة على مستوى منخفض من المنتجات نصف المصنعة، وهو الأمر الذي حافظوا عليه طويلا. وكانت النتيجة هي كثرة الاتصالات من مسئولي المبيعات لاستعجال تشغيل بعض المنتجات نصف المصنعة، وأصبح هناك أهمية كبيرة لوضع أولويات تشغيل تلك المنتجات، وأصبح هناك تأخير في بعض المواعيد. إن زيادة المنتجات نصف المصنعة عن طاقة المراحل التالية قد أدى إلى فوضى غير معهودة لصاحبنا ورفاقه منذ شهور.
لقد أدت مشاكل التشغيل وتأخر الإنتاج إلى الحاجة إلى إنتاج منتجات مثماثلة لمدة أسبوعين وهو ما مثَّل خرقا لقواعد أرساها صاحبنا ورفاقه منذ مدة طويلة وهي تنويع الإنتاج والمحافظة على توازن المراحل أي ألا يتم تحميل مرحلة إنتاج بمنتجات نصف مصنعة تفوق طاقتها التشغيلية اليومية. ونتيجة لذلك زاد المخزون من المنتجات نصف المصنعة، وبالتالي أصبحت هناك حاجة لتحديد أولويات تشغيل تلك الكميات الكبيرة من المنتجات نصف المصنعة، وأصبحت هناك عملية انتظار للتشغيل، وكثُرَت الاتصالات والاستعجالات والخلافات.
هذه التجربة بيَّنت لصاحبنا تأثر الحيود عن عملية تنويع المنتج والمحافظة على توازن الخط الإنتاج، وأظهرت بوضوح كيف أن التصنيع الخالي من الفاقد Lean Manufacturing لا يعتمد على شيء واحد فقط، بل لابد من تضافر عدة أشياء منها تنويع الإنتاج والمحافظة على توازن خطوط الإنتاج Line Balancing، ومن قبلها تقليل مشاكل الجودة وتحسين حالة المعدات من خلال الصيانة الوقائية، وكل هذا يتطلب عمالة مُدربة ومشاركة في التطوير وأنظمة عمل توفر لهذه العمالة جو عمل ممتع ومحترم.
موضوعات ذات صلة:



حاول تقرأ الرسائل الاولى لتعرف مدى التغيير
(هذا ما فعلته انا – دون قصد)
فقد توقفت عن قراءة اليوميات (منذ يوميات تبريد المنتج بالماء)
نتيجة لانشغالي الايام السابقة
ولكنى الاحظ ان وتيرة التغيير تتسارع – خقيقي حاجة تفرح – فكر منظم وتحليلي
المهندس وليد
شكرا على متابعتك المستمرة
جهود رائعة … شكرا جزيلا وبارك الله فيكم .
شكرا
جميل جدا , وفعلا مجهود كبير يبذل