ومازالت رحلتنا مستمرة مع صاحبنا في تخطيط الإنتاج، وقد زال كثيرُ من الصعاب، وظهر كثيرٌ من التحديات، وتوالت الأحداث وهو سعيد بكل إنجاز، طموح في تحقيق المزيد.
تنظيم خطة عمل المبيعات المحلية
من الأمور التي كانت تزعج صاحبنا أن خطة المبيعات المحلية غير محددة، وبالتالي فإنه كان من المعتاد أن تكون هناك شكاوى عن تأخر تسليم عقد ما. ويرجع السبب في ذلك إلى أن المبيعات تطلب تنفيذ عقود تزيد عن خطة الإنتاج الشهرية، ولذلك فإن جزءا من هذه العقود سيتأخر إنتاجه للشهر التالي ولكنه لا يتم تحديد ما سيتم إنتاجه وما سيتم تأجيله. وعلى الرغم من مجهودات فريق العمل في التخطيط فإنه كان من المعتاد أن يشكو مسئول المبيعات المحلية من تأخر تسليم بعض العقود.
وحلاً لهذه المشكلة بدأ فريق التخطيط في الضغط على المبيعات لتحديد ما هو مطلوب إنتاجه تحديدا، وبالفعل استجاب مسئول المبيعات المحلية وصار يُحدد أولويات الإنتاج أسبوعيا، وأصبح لا مجال للشكوى من تأخر إنتاج العقود التي لم تكن ضمن تلك الأولويات الأسبوعية. وبهذا انتهت تلك المشكلة.
زيارة العملاء
بدأ فريق العمل في تنفيذ الخطة السنوية وكان من ضمنها زيارة العملاء للتعرف على طبيعة عملهم واحتياجاتهم وأسلوبهم في تخطيط إنتاجهم. ونظرا لكثرة زيارة مسئولي الجودة وخدمة العملاء لعملاء الشركة فإنه تم التنسيق لكي يرافق تلك الزيارات مهندس من تخطيط الإنتاج. وبعد أول زيارتين اتضح أن هذا الأسلوب غير ناجح لأن الزيارة تكون مُركَّزة على شكوى العميل أو بعض المناقشات حول جودة المنتج.
ولذلك تم الاتفاق على القيام بزيارات منفصلة لا علاقة لها بشئون الجودة وشكاوى العملاء. وبالفعل تم التنسيق لأول زيارة، وكانت في مدينة تبعد حوالي 200 كيلو متر، وذهب في تلك الزيارة مهندسان من تخطيط الإنتاج بصحبة مندوب من المبيعات. وقد استفاد المهندسان من الزيارة كثيرا إذ إنهما اطلعا على أسلوب التصنيع وتناقشا مع مديري المصنع حول معدلات التوريد وأوقاتها وارتباط طلباتهم المختلفة ببعضها. وقاما بعد عودتهم بإعداد تقرير عن تلك الزيارة لكي يتم حفظه في ملف خاص لكي يتم الاحتفاظ بتلك المعلومات.
وبعد ذلك بحوالي أسبوعين قام المدير المساعد للتخطيط مع أحد المهندسين بزيارة أحد العملاء الآخرين، وقد اطلعا على عملية التصنيع، وتعرفا على ثقافة تلك المؤسسة، وناقشا طلبات العميل من حيث المواصفات ومواعيد التسليم، وتوصلا إلى أن العميل قد يحصل على مواصفات بديلة تحقق له ما يريد وفي نفس الوقت تجعل عملية التصنيع أبسط مما يجعل وقت التسليم أقصر، وقد أُعجب العميل بالفكرة وتقرر أن يتم استكمال مناقشة الفكرة عبر البريد الإلكتروني وعبر زيارة العميل للشركة في وقت لاحق بمشيئة الله.
وبعد ذلك بدأ التخطيط لزيارة تالية لكي تصبح هذه الزيارات جزءا من مهام العمل.
دراسة علاقة التكلفة بتخطيط الإنتاج
وكجزء من الخطة السنوية بدا أحد مهندسي التخطيط في دراسة علاقة التكلفة بتخطيط الإنتاج، وقام بجمع بعض المعلومات والتي بيّنت تكلفة اتخاذ بعض القرارات الخاصة بخطة الإنتاج وهو ما يجعل القرارات مبنية على معلومات وليست مبنية على التخمين.
ويقول صاحبنا: من المهم أن تكون عملية التخطيط أقرب للحسابات الكمية منها للتقديرات غير الكمية أو للفن، وإن تكاسلنا عن البحث عن المعلومات هو الذي يجعلنا نعتقد أن عملية التخطيط هي مجرد فن لا قواعد له. وإن ما نجمعه من معلومات عن التكلفة فيما يخص قرارات تخطيط الإنتاج يكشف لنا معلومات مهمة، وبين لنا أن أحدا لم يهتم بجمعها من قبل.
وأخيرا الموافقة على إنشاء حوض التبريد
وبعد طول انتظار تمت الموافقة على البدء في مشروع تبريد المنتج بالماء وذلك بعد اجتماع عرض فيه صاحبنا الفكرة ونتائج التجربتين السابقتين. وقد لاقى الموضوع ترحيبا وتقرر البدء في إعداد الرسومات الهندسية للمشروع تمهيدا لتنفيذه.
وفكّر صاحبنا ورفاقه في تكوين فريق عمل يكون مسئولا عن ذلك المشروع بحيث يضم مهندسين من أقسام مختلفة.
فلسفة تخطيط ورقابة الإنتاج
ومع قرب وصول مهندسين جدد لإدارة التخطيط بدأ صاحبنا مع أقرانه في إعداد مادة تدريبية لهؤلاء المهندسين بحيث تكون أول خطوة للتعريف بمهام تخطيط ورقابة الإنتاج. وأمضى صاحبنا وقتا طويلا في هذا الأمر لإيمانه بأهميته، وكان مما وضع في هذه المادة التدريبية فلسفة تخطيط الإنتاج والتي اشتملت على عدة مبادئ نوجزها فيما يلي:
1- أن ننتج ما يحتاجه العميل في الوقت المناسب بأقل تكلفة: هذه مسألة تبدو بديهية ولكن في الواقع فإن كثيرا من المُصنعيين لا يتبعون هذه القاعدة. هناك فرق بين “أن ننتج بأقل تكلفة” وبين “أن ننتج ما يحتاجه العميل في الوقت المناسب بأقل تكلفة” فالأولى تعني في الحقيقة “ان ننتج ما نشاء بأقل تكلفة” أي ننتج ما نريد لاما يريد العميل، ننتج لتقليل التكلفة لا لتلبية احتياج العميل بسرعة، ننتج لنخزن أو نبيع فالمهم أن ننتج. هذا أسلوب ينتج عنه عدم رضاء العملاء وانصرافهم عاجلا أو آجلا عنا ومن ثَمّ انخفاض المبيعات وانحفاض السيولة وانخفاض الأرباح.
تخطيط الإنتاج يهدف لأن يصل للعميل منتجه قبل الوقت المحدد (أو في الوقت المناسب إن لم يكن الوقت محددا). لابد أن يكون العميل في قمة أولويات تخطيط الإنتاج، فالإنتاج في خدمة العميل وليس العميل في خدمة الإنتاج، الإنتاج يتغير من أجل العميل، ولكن العميل لن ينتظر لكي يتماشى هو مع خطة الإنتاج. تقليل التكلفة مطلوب ولكنه لا يعني أن ننتج ما يقلل التكلفة ولكن أن ننتج ما يطلبه العميل الآن بأقل تكلفة.
2- العملاء متساوون: هذا مبدأ مهم فلا فرق بين عميل محلي وآخر دولي، فلكل منهم احتياجه وكلهم عملاء للشركة يجب أن يحظوا بالاحترام وأن يشعروا أن هذه الشركة هي أفضل مورد لهم. والعميل قد يقبل الانتظار طالما أنه يشعر أنه انتظار عادل. فصاحبنا هنا يريد أن يحافظ على طابور انتظار العملاء بنظام واحترام.
3- تقليل المخزون نصف المصنع: هذا هدف سامٍ لأن المخزون نصف المصنع عبارة عن أموال راكدة، وهو يشغل مساحة مهمة من أرض المصنع، وهو دليل على أننا ننتج ما نريد لا مايريده العميل فبدلا من إنتاج تلك المنتجات نصف المصنعة التي تنتظر التشغيل في مرحلة من مراحل الإنتاج كان يمكننا أن ننتج منتجات متنوعة يستلمها العميل بسرعة. فلابد من تنظيم خطة الإنتاج بحيث يتم تقليل المنتجات نصف المصنعة وهذا يأتي عن طريق تنويع الإنتاج وتوازن خط الإنتاج.
4- التخطيط يبدأ من طلبات العميل مرورا بمراحل الإنتاج الأخيرة وإنتهاء بمراحلها الأولى: هذا ما يسمى بسحب الإنتاج بدلا من دفعه، فخطة الإنتاج لا تبدأ بقدرات أولى مراحل الإنتاج ورغبة المسئول عنه في تعظيم الإنتاج، وإنما تبدأ من طلبات العميل ثم تمر بمراحل الإنتاج من آخرها إلى أولها كما لو كانت كل مرحلة تطلب (أو تأمر) التي قبلها بإنتاج منتج محدد بكمية محددة. سحب الإنتاج بهذه الطريقة يؤدي إلى تلبية طلبات العميل بسرعة، وتقليل المنتج نصف المصنع، وتقليل المخزون. أما دفع الإنتاج فهو يؤدي إلى زيادة المخزون وانتشار الفوضى وزيادة المنتج نصف المصنع وكثرة الاستعجالات.
5- المحافظة على سريان المنتج من مرحلة لأخرى سريانا سريعا: هذا السريان هو وسيلة أساسية لتحديد مواعيد التسليم فإذا كان المنتج الذي أنتج اليوم سيستغرق دائما عدد محدد من الأيام في التصنيع فغنه يمكننا بسهولة تحديد موعد التسليم، وأما إن كان المنتج الذي ننتجه اليوم سيستغرق وقتا غير معلوم في عمليات التشغيل اللاحقة فإن مواعيد التسليم لن تكون دقيقة لأننا لا نعرف أصلا متى سيتم تشغيل هذا المنتج نصف المصنع.
6- المصنع لديه القدرة على إنتاج أي منتج في أي وقت بخلاف أوقات الصيانة المخططة: خطة الإنتاج تعتبر أن المصنع لا يوجد ما يعوقه عن إنتاج أي منتج في أي وقت طالما المصنع ليس في حالة صيانة مخططة. وهذاالمبدأ يتماشى مع مبدأ العميل أولا، فمسئولو الإنتاج يرغبون عادة في إنتاج منتجات محددة في أوقات محددة فهذا يتم إنتاجه نهارا وهذا يتم إنتاجه في وسط الأسبوع…وهو ما يتعارض مع مصلحة المؤسسة ومع احتاجات العميل.
ولو فكرنا في هذه المبادئ سنلاحظ أنها كلها مترابطة وتهدف لنفس الهدف وهو إرضاء العميل لتحقيق مصلحة المؤسسة.
كما وضع أسس الرقابة على الإنتاج والتي نجملها فيما يلي:
1- تقارير نتائج الإنتاج لابد أن تكون دقيقة بقدر الإمكان: لابد من تحري الدقة عند إعداد تلك التقارير نظرا لأهميتها ولأنها تعكس نتائج المصنع.
2- تقارير الإنتاج لابد أن تعكس الحقيقة: الأمانة هي أمر أساسي في عملية رقابة الإنتاج، فلا مجال للمجاملات ولا تغيير للحقائق، فلوكان هناك توقف مفاجئ للمصنع فلا يمكن تسجيله كتوقف مخطط، ولو كان هناك تأخر في الإنتاج فلابد من توضيحه، فالأمر يتعلق بالأمانة.
3- لابد أن تبين التقارير اختلاف النتائج الواقعية عن الخطة: من أهم أهداف التقرير الدورية للإنتاج أن يظهر اختلاف الواقع عن الخطة فهذا يبين المشاكل ويكون الخطوة الأولى لتحسين الإنتاج وحل المشاكل.
4- تقارير الإنتاج هى المصدر الأساسي لتعديل خطط الإنتاج: تقارير الغنتاج الدورية يتم استخدامها لتحديث خطط الإنتاج اليومية بناء على تم إنتاجه وما لم يتم إنتاجه.
وأخيرا …إنه فريق عمل
وبعد مرور ما يقارب عام ونصف على عمل صاحبنا في هذا الموقع، أصبح كل المهندسين متحفزين للمشاركة وإبداء الرأي وحل المشاكل. وهو أمرٌ أسعد صاحبنا كثيرا. وقد ظهر ذلك في حدة المناقشات في الاجتماع الصباحي عند ماقشة خطة الإنتاج، وفي المشاركة في متابعة العمل أثناء عطلة نهاية الأسبوع، وفي التعاون في العمل. ربما احتاج الأمر وقتا طويلا لكنه تحقق.
وبعد…..أيها القارئ الكريم… فهذه يوميات مدير عربي لا يعمل في المريخ ولا يعمل في شركة أجنبية، فالكثير مما ورد فيها ينطبق عليك وعلى عملك. فهل فكرت يوما في زيارة العملاء لدراسة احتياجاتهم؟ هل فكرة في دراسة علاقة التكلفة بالقرارات التي تتخذها؟ هل فكرت في وضع قواعد عامة للعمل يتم تطبيقها في غيابك وحضورك؟ هل فكرت في تطوير عملك؟ هل كنت دؤوبا في ذلك؟ هل قمت بحل الكثير من مشاكل العمل؟
موضوعات ذات صلة:

تدوينة رائعة جدا ومدونة اروع واصل اخي ^_^
هذه مدونتي
http://3rbyblog.blogspot.com
الأمانة هي أمر أساسي في عملية رقابة الإنتاج،………….جدا رائعة هذه العبارة لان مصداقية البيانات هي الاساس لاتخاذ قرار سليم
شكرا على القراءة المتأنية
انت فعلا اكثر من رائع
تسلموا … جزاكم الله خيرا … وجعلها في ميزان حسناتكم .