حضر شهر رمضان وقرر المدير أن يقضي بعض الوقت مع الحديث النبوي يأتنس فيه بكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتعرف فيه على صفاته وأفعاله، ويتعرف على أحوال الصحابة، ويستنير بالهدي النبوي، ويستشعر أخلاقيات هؤلاء الأفاضل. وكان أول ما بدأ به صحيح البخاري وهو كتاب الحديث الغنيُ عن التعريف. وفي أثناء قراءته للحديث توقف عند أحاديث وجد لها صلة بعمله كمدير وكمهندس وكمسئول وكموظف، وتأمل فيه، وقارن بين ما فيها وبين ما يفعله هو وما يفعله زملاؤه. ومن خلال هذه المقالات بمشيئة الله نستعرض جانبا من تأملات المدير في بعض الأحاديث النبوية.
واستوقف المدير أول حديث في صحيح البخاري وهو حديث “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍ ما نوى” وجلس يُفكر في نيته فيما يقوم به في عمله من إصلاح وتطوير واجتماعات ودراسات، وحاول أن يتذكر نيته الحقيقيَّة في تلك الأعمال، وقال في نفسه: هل أقوم بذلك بنية الإخلاص في العمل أو إتقانه أو تحسينه فيجازيني الله عليه خيرا، أم بنية الظهور وتملق الرؤساء والبحث عن المكافآت، وتمتم في نفسه قائلا: إنني أقضي معظم أوقاتي في العمل ولو كانت أعمالي فيه بلا نية صالحة لم أجد منها شيئا يوم القيامة. وتذكر صاحبنا بعض الزملاء الذين يقومون ببعض الأعمال بنية الإساءة للغير، أو إظهارهم بمظهر سيء، أو بنية إظهار حاجة العمل إليهم. وعقد المدير العزم على تصحيح نيته في عمله وعلى أن يحاول أن يراعي الله نبارك وتعالى في عمله وعلى أن يجتهد ويخلص وإن لم يلاحظه أحد ولم يكافئه أحد من الناس، فإن المخلص لله يعلم أن الله يراه في كل وقت وحين وسيجازيه على الحسنة بعشر أمثالها، وبالتالي فإن تقدير الرؤساء له من عدمه لن يُغير من سلوكه شيئا.
وقرأ حديثا عن بداية نزول الوحي وكان أن ورقة بن نوفل ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم أن قريشا ستخرجه وتقاومه وذلك في قول ورقة بن نوفل: ليني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسو ل الله صلى الله عليه وسلم: أو مخرجي هم؟ قال نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك انصرك نصرا مؤزرا. ففكر المدير في مقاومة قريش وصبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقال في نفسه: حين تريد أن تطور فتجد مقاومة وتجد من يقول أنك سفيه أو مجنون أو جاهل فتذكر ما لاقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم واصبر واحتسب ولا تضعُف، صحيحٌ أنك لا تدعو لله في عملك ولكنك تحاول أن تتقن العمل وتُحسِّنه وأن ترتقي بمؤسستك، فلماذا لا تحتسب الصبر على مقاومة التغيير حينئذ عند الله؟
ووقف عند حديث: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده. وهو حديث معروف للصغير والكبير، ولكن في أرض الواقع فإنك قد تفقده كثيرا، تفقده حين ترى الزميل يتحدث مع زميله بأسلوب غير مقبول أو كلمات جارحة، تفقده حين ترى مديرا يُحابي هذا لقرابته ويظلم هذا لاستقامته، تفقده حين ترى المرؤوس دائم الغيبة للرئيس، تفقده حين ترى الموظف يتعامل مع الناس كما لو كانوا عبيدا عنده. وفكر المدير وقال: لو طبقنا هذا الحديث القصير لكان الأمر مختلفا تماما.
واستوقفه حديث “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” وشرد لحظة يتأمل فيما يحدث في مؤسساتنا من تكالب ومؤامرات وحقد وهو ما يتعارض تماما مع هذا الحديث، فلو طبقنا الحديث لكانت مواقع العمل أماكن تآلف وتعاون، ولما حقد هذا على ذاك، ولحرص كل واحد على تيسير عمل أخيه، ولما ألقى كل مسئول بالأعمال على الآخرين.
ووجد حديثا طويلا جاء فيه: إخوانكم خَوَلُكم (أي خدمكم) جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم. وتذكر المدير كيف يتكبر بعض زملائه على مرؤوسيهم، وكيف يستنكف أن يأكل معهم، أو يلبس مثلهم. وأكثر ما لفت انتباه المدير هو: ولا تكلفوهم ما يغلبهم، وتذكَّر حين كان يطلب من العمال القيام بأعمال تتسم بالخطورة، وحَمِدَ الله أنه لم يُصَب أحد. وتذكَّر كذلك حين يطلب كما كبيرا من الأعمال من أحد مرؤوسيه ثم يسأل عنها بعد قليل. وقرر أن يراعي ذلك عند تكليفه أحدا بأي عمل. وفي اليوم التالي تناول المدير إفطار رمضان مع العمال في موقع عملهم مما كان له أثر كبير لديهم.
وخاف المدير من حديث: الحلال بيِّن والحرام بين وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه. وتذكر المدير ما يتردد في العمل مثل: سأعمل على قدر مرتبي، وما يقبله البعض من أموال مشبوهة، وما يفعله البعض من حِيَلٍ في العمل لكسب مال أو التهرب من العمل. وخاف المدير من أن يكون قد أصابه من تلك المشبهات شيئا أو ان يكون قد شاب ماله مالا حراما، وعقد العزم على أن يزيد من إخلاصه في العمل حتى يتيقن أن ماله حلال صافٍ لم تشبه شائبة.
ووقف طويلا عند حديث يرويه الصحابي الجليل جرير بن عبد الله رضي الله عنه حيث قال: بايعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم. وقد لفت انتباهه أهمية النصح في الإسلام، وفكر في تطبيق ذلك في العمل في النصح للزملاء وللموظفين الجدد والموظفين الأقل خبرة والنصح للمديرين والرؤساء. وتذكر ما يفعله البعض من بُخلٍ بالمعلومة البسيطة على الزميل الجديد، ومن إخفاء المعلومات عن المديرين، ومن عدم تقديم المشورة الصادقة للزملاء، ومن طلب مقابل مادي مقابل كل فكرة جديدة أو اقتراح مفيد. أين هؤلاء الناس من هذا الحديث وهذا الصحابي الجليل، وماذا سيقولون حين يُسألون عن النصح لكل مسلم؟ ماذا سيقول هؤلاء الذين لا يكتفون بالبخل بالنصيحة بل يحاولون تضليل زملاءهم أو رؤساءهم عن أسباب المشكلات وأسلوب العمل؟
ومرّ على حديث في أكثر من موضع في صحيح البخاري وهو حديث يرويه عبد الله بن عمر رضي الله عنه حيث قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأُتِيَ بجُمَّار فقال: إن من الشجر شجرةً مثلها كمثل المسلم فأردت أن أقول هي النخلة فإذا أنا أصغر القوم فسكتُّ قال النبي صلى الله عليه وسلم هي النخلة. قال المدير في نفسه: انظر كيف استحيا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن يذكر الحلَّ لصغر سنه، وانظر إلى ما حدث في اجتماع الأمس من تطاول مهندس صغير على مهندسين ذوي خبرة، وما حدث منذ أسبوع حين تطاول مرؤوس على رئيسه وقال له: يا عم روح نام ولا أنت فاهم حاجة.
ومما استوقف المدير أن البخاري رحمه الله وضع أبوابا لأشياء دقيقة جدا لبيان حكمها مثل: باب من رفع الصوت بالعلم….باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها… باب من أجاب الفتيا بإشارة الرأس واليد…باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله…فقال المدير في نفسه: إن هذه لدقة بالغة، وعناية فائقة، فهذه أمور قد لا يفكر أحد في وضع أبواب خاصة لها، ولكن البخاري كان دقيقا جدا في كتابه، ولكن أليس من الطبيعي أن تكون هذه الدقة منتشرة في عملنا أسوة بهؤلاء الأفاضل، أليس من المفترض أن تكون تقارير العمل دقيقة جدا، أليس من المفترض أن تكون جودة منتجنا عالية جدا؟
واستوقف المدير أحاديث كثيرة مثل: إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه. وأحاديث في كيفية الوضوء والغسل والتيمم والصلاة….قال المدير: أليست هذه أعمال محددة بشكل محدد مثل خطوات العمل القياسية التي نحاول تطبيقها في العمل، إذا كنا نُطبق ذلك في الوضوء والصلاة والغسل والتيمم، فلماذا نجد صعوبة بالغة عند محاولة تطبيق خطوات العمل القياسية في العمل؟ أليست هي جزء من ثقافتنا؟
واستمر المدير في قراءته للحديث مستمتعا بصحبة الكرام، ومتأملا في الأحاديث، ومقدرا للجهد العظيم لجامع الكتاب.
موضوعات ذات صلة:

جزاك الله خيرا على ماتقدمه لنا من موضوعات
الاخ/ الفاضل . سامح
كل عام وانتم بخير … بارك الله فيك على هذه المقالات الرائعة وجعلها الله فى ميزان حسناتكم
كل عام وانتم بخير
اولا ننتهز الفرصة لنهنئكم بحلول الشهر المبارك سائلا الله سبحانه وتعالى أن يجعله شهر خير وبركة وصحة وسعادة وشاهدا لنا بالخيرات والأعمال الصالحة … وعلى الأمة العربية والإسلامية بالتقدم والنمو والرخاء …وكل عام وانتم بخير .
ونحمد الله على عودتكم الكريمة … ونسجل الشكر والتقدير لجهودكم الكريمة على هذه الموضوعات القيمة … فجزاكم الله خيرا … وجعلها في ميزان حسناتكم .
الأستاذ شمسي
بارك الله فيك وجزاك خيرا
شكرا
جزاك الله خيرا
و مبروك علينا عودتنا لرؤية مواضيعك مرة اخرى
المهندس محمد
شكرا على متابعتك وكل عام وأنتم بخير
جزاك الله خيرا دكتور سامح
تأملات المدير دقيقة وتبين حرصه على اتقان عمله
الأستاذ عبد اللطيف
شكرا على متابعتك وكل عام وأنتم بخير
جزاك الله خيرا فعلا جميل
الأستاذ عبد السلام
شكرا على المتابعة وكل عام وأنتم بخير