واستمر المدير في قراءته للحديث، منتقلا في صحيح البخاري من جزء لآخر، مستمتعا بهذه الصحبة المباركة، ومعجبا بجهد الإمام البخاري في تصنيف هذا الكتاب الجامع الصحيح. وربط المدير بين تلك الأحاديث وبين ما يمارسه في عمله، وحاول أن يصحح ما فسد من تلك الممارسات.
واستوقف المدير حديثا عن كسب المال وهو حديث “يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أَخَذَ منه: أمن الحلال أم من الحرام” وتخوَّف المدير أن يكون هذا الحديث منطبقا عليه، وجلس يتذكر مصادر ماله ويتأكد من صحتها، وخاف أن يكون قد أصاب من الحرام شيئا حين تأخر عن العمل، أو استخدم تليفون العمل في مكالمة شخصية، أو تكاسل يوما في عمله، وخاف أن يكون قد ساعد غيره على الاكتساب من حرام حين قبل أن يتكاسل أحد مرؤوسيه عن عمل، أو كافأه بغير حقٍ لمحبته له أو عطفه عليه. وتذكر ما يسمعه عن آخرين يقومون بما هو أكبر من ذلك من تعاملات مشبوهة مثل من يقوم بتعاملات تجارية مع نفس الشركة التي يعمل بها، ومن يتعمد عدم بذل الجهد في العمل، ومن يطلب من زملائه إثبات حضوره للعمل حين تغيبه. وقال في نفسه: صدق رسول الله صلى الله عليه، وأعوذ بالله أن أكون من هؤلاء. وظلَّ يُفكر في كيفية البعد عن تلك الشُبُهات والمحرمات كموظف وكمدير، ووجد أن الأمر قد يكون سهلا كموظف ولكنه ثقيل على المدير، إذ إنّ عليه ألا يقبل تكاسل أحد، وألا يتغاضى عن أي عمل مشبوه يقوم به أحد مرؤوسيه، وألا يكافأ أحدا بغير حق.
ومر على حديث “من سره أن يُبسَطَ له في رزقه أو يُنسَأَ له في أثره فليصل رحمه“وفكَّر في هؤلاء الذين يتصارعون في العمل على المكافآت والحوافز والعلاوات، وقال لو يعلم هؤلاء هذا الحديث حقا لتصارعوا على صلة الرحم، ولعلموا أن الرزق من عند الله. وتذكر المدير أقاربا لم يزرهم منذ مدة طويلة، وآخرين لم يسأل عنهم، وآخرين يحتاجون المساعدة، وقرر المدير أن يبذل جهدا أكبر في صلة الرحم مستغلا شهر رمضان وعيد الفطر في ذلك.
وتوقف عند حديث”لأن يحتطب أحدكم حُزمَةً على ظهره خيرٌ من أن يسأل أحدا فيُعطيَه أو يَمنَعَه” وحديث “ما أكل أحدٌ طعاماً خيراً من أن يأكل من عمل يده” وقال المدير في نفسه: لكأنّ هذين الحديثين غير معروفين، فهما يتحدثان عن ثقافة وأسلوب حياة نفتدقهما كثيرا، فالحديثان يتحدثان عن شخصٍ مكافح، لا يقبل مساعدة من أحدٍ ولكنه يبذل الجهد والعرق ليكسب رزقه من حلال، شخص يقبل أن يعمل أي عمل مهما كان حقيرا أو مجهدا. وجلس يتأمل فيما يراه يوميا من شباب يجلس بلا عمل ولا يقبل بأي عمل فإما أن يعمل في وظيفة محترمة وإما أن يجلس في البيت، ومن عمالٍ يعملون ولكنهم لا يملُّون أن يطلبوا المزيد من العلاوات والحوافز والمكافآت على كل عمل، ومن موظفين يتكاسلون عن عملهم، ومن مديرين يتركون العمل يسير حيثما سار، ولا يحاولون أن يقومون بدورهم كمديرين.
وأما حديث “البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبيَّنا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا مُحِقَت بركة بيعهما” فقد توقف عنده كثيرا، وتأمَّل في كلمة “صدقا” وكلمة “بيَّنا” وكذلك في “كتما وكذبا” وقال: لو كانت صدقا بدون بيَّنا لكانت هينة، ولو كانت كذبا بدون كتما لكانت هيًنة. وجلس يتصببب منه العرق وهو يتذكر تعليماته لمندوبي المبيعات في شركته، وما درَّبهم عليه من إظهار مميزات المنتج وعدم ذكر عيوبه، ومحاولة إقناع العميل بأنه منتج يضاهي المنتج المستورد مع علمنا بخلاف ذلك. وجلس حزينا يستغفر الله بسرعة، وهو لا يدري كيف غفل عن هذا الحديث، وكيف يعمل هو وقسم المبيعات لديه بأسلوب يتنافى تماما مع هذا الحديث. وجلس مهموما لا يدري كيف يُصلِح من أخطائه.
وهو في حزنه مرَّ على حديث “الحلف منفقةٌ للسلعة مَمْحَقَةٌ للبركة“ وحديث “ثلاثةٌ لا يُكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجلٌ حلف على سِلعةٍ لقد أعطى بها أكثر مما أعطى وهو كاذب، ورجلٌ حلف على يمين كاذبة ليقتطع بها مال رجلٍ مسلم، ورجلٌ منعَ فضلَ ماءٍ” وزاد الحزن حزنا، وزاد الهم هما آخر، فها هو أمام حديثين يتصادمان مع سياسته البيعية ومع ممارسات مندوبي مبيعاته اليومية من حلفٍ كاذب على تكلفة السلعة، وحلفٍ على أنها جاهزة في المخازن وهي لم يتم تصنيعها أصلا، وحلفٍ بسبب وبغير سبب. وقال المدير: ويلي من الله إن لم أُغيِّر كلَّ هذا. وحاول المدير أن ينام قبل الذهاب لعمله ولكنه لم يستطع، وجلس يفكر في تلك الأحاديث. وفي الصباح ذهب للعمل واستدعى مدير المبيعات وجلس يناقشه في ممارساتهم البيعية وتعارضها مع تلك الأحاديث، وجلس مدير المبيعات يدافع متعللا بالظروف وطبيعة الناس وأسلوب المنافسين. ولكن المدير أصرَّ على موقفه وقال له: أتريدني أن ألقى الله فيسألني عن ذلك فأقول له يارب الظروف وأسلوب المنافسين. وطلب المدير عقد دورة تدريبية فورا لكل مندوبي المبيعات يقوم هو بالمحاضرة فيها بنفسه وعنوانها “البيع بالصدق والتبيين لا بالكذب والكتمان”.
ووقف عند حديث “ثلاثةٌ أنا خصمهم يوم القيامة: رجلٌ أعطى بي ثم غَدَرَ، ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجلٌ استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعْطِهِ أجره” وجلس يُفكر في الجملة الأخيرة عن حق الأجير، وتخوَّف أن يكون قد فعل ذلك الأسبوع الماضي حين وعد العمال بمكافأة إن نجحوا في تحقيق إنتاجية محددة ثم لم يفِ بما وعد، وحين امتنع -اليوم- عن دفع حق مقاول استأجره نتيجة لخلاف بينهما. وقال في نفسه: النبي صلى الله عليه وسلم يكون خصمي يوم القيامة، لقد خبتُ وخسرتُ إذاً. وانهمك في حزنٍ عميق لأنه لا يدري كيف يُصلح ما فعل. وفي صباح اليوم التالي أصدر قرارا بدفع المكافأة للعاملين كما وعدهم، وطلب من مسئول المشتريات دراسة مستحقات ذلك المقاول الحقيقية ودفعها له.
وأما حديث “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا” فقد توقف عنده طويلا مستعجبا من بُعد واقع العمل عن الحديث، فالواقع أن كل مدير يريد أن يتهرب من أي تهمة وأن يُلبسها لغيره، والواقع أن التعاون في العمل أمر صعب، والواقع أن الوقت يضيع في العمل في الجدل والكذب والاتهامات المتبادلة، والواقع أن كل قسم يريد تحقيق خطته ولا يُهمه ما يحدث للآخرين، والواقع أن معظم العاملين يريد أن يلقي بالمسئوليات على غيره ليبذل هو أقل مجهود، فأين هذا من البنيان الذي يشد بعضه بعضا. إن قارئ الحديث ليتصور مواقع عملنا بشكل مختلف تماما، فهو يتصور أن مواقع عملنا هي أكثر مواقع العمل تعاونا وإخلاصا، وأنه لو وجد موظفا أو مديرا صعوبة في حل مشكلة فسيلتف حوله الآخرون ليساعدوه، وأن الموظف الجديد سيجد مساندة عظيمة من الموظفين الأقدم منه، وأن المرؤوس والرئيس والمهندس والعامل والطبيب والممرض يعملون كفريق واحد بلا حساسيات، وأن المعلومات والخبرات يتبادلها العاملون يوميا بحب وإخلاص فهم كالبنيان الذي يشد بعضه بعضا.
وظل المدير يُفكر في الكنز الذي لدينا وفي إهمالنا له. جلس يُفكر كيف يمكن أن يتعلم منا العالم لو طبقنا تلك الأحاديث. جلس يُفكر فيما يقول الناس عند زيارتهم لدول أكثر تقدما من حديث عن الصدق في البيع والشراء، وحديث عن كفاح الشباب وكفاح الموظفين في علمهم، وحديث عن الوفاء بالوعد، وحديث عن التعاون في العمل. وقال: إننا لو طبقنا تلك الأحاديث في أعمالنا لكنا نحن القدوة في ذلك، ولكنا مَضْرِب الأمثال، ولكننا ابتعدنا عنها وأصبحنا نتعجب من تطبيق غيرنا لها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وانت أيها القارئ الكريم هل ستقرأ الحديث؟ هل ستُغير شيئا في عملك بعد قراءة تلك الأحاديث؟ هل تنام ليلا لا يؤرقك خوف من مال حرام، أو من حلف كاذب، أومن أكل حق الأجير، أو من تهرب من العمل، أو من كذب في العمل، او من اختلاق التهم لزملائك؟
واستمر المدير في قراءته للحديث …….
موضوعات ذات صلة:

جزاك الله خيرا
ونرجو منك المتابعة
عرض رائع … ومعلومات مفيدة … بارك اوجزاكم خيرا .لله فيكم