تحدَّثَ كثيرون عن نظام تويوتا الإنتاجي Toyota Production System بهذا الاسم وبمسميات أخرى، وكل واحدٍ يحاول إلقاء الضوء على جانب من جوانب هذا النظام، ولكن عندما يتحدث الأب الروحي لهذا النظام فعلينا أن ننتبه لما يقول، فهو الذي شارك في تطويره، وهو أقدر من غيره على شرح عناصره وأسباب استحداثها. نبدأ في هذه المقالة إلقاء الضوء على كتاب نظام تويوتا الإنتاجي والذي ألفه تايتي أونو Taiichi Ohno.
وُلِد تايتي أونوعام 1912 وتخرج من كلية الهندسة (معهد نايوجا التكنولوجي) عام 1932م، وقد التحق بعد تخرجه بشركة تويوتا للغزل، ثم انتقل إلى شركة تويوتا للمحركات (السيارات) عام 1943م، وترقى حتى وصل إلى منصب نائب رئيس الشركة في عام 1975م، وقد توفي أونو عام 1990م. وخلال عمله في شركة تويوتا للسيارات قام بتطوير نظام تويوتا الإنتاجي والذي غيَّر الكثير من مفاهيم الإدارة السابقة، وقد أدى نجاح هذا النظام إلى محاولة تطبيقه في شركات عالمية غربية، واليوم تجد كتبا كثيرة عن نظام تويوتا الإنتاجي. فلا شك أن هذا الرجل كان له فكرٌ مميز في إدارة المصانع، بل وقد تم نقل هذا الفكر لاحقا لإدارة مؤسسات غير صناعية.
عنوان الكتاب هو نظام تويوتا الإنتاجي- ماوراء الإنتاج بكميات كبيرة Toyota Production System- Beyond Large Scale Production وقد نشر عام 1978م باليابانية، وتُرجم إلى الإنجليزية عام 1988م ومازال يباع حتى الآن، ومع الأسف لم أطلع على ترجمة عربية للكتاب، وإن كنت قد أُخبِرْتُ أنه توجد ترجمة عربية لمكتبة جرير. يتكون الكتاب في ترجمته الإنجليزية من 152 ورقة من الورق المتوسط، فهو لا يُعتبر كتابا كبيرا من حيث الحجم ولكنه احتوى على الكثير من الحكم الإدارية، والتوضيحات للفكر الذي بُنِيَ عليه نظام تويوتا الإنتاجي. ولا نستطيع أن نقول أن الكتاب من حيث تنظيمه وأسلوب الكتابة يعتبر كتابا متميزا لأن تايتي أونو لم يكن في الأصل كاتبا، ولكن الكتاب مرجعٌ في غاية الأهمية بالنسبة للمهتمين بنظام تويوتا الإنتاجي.
وقد قسَّم أونو الكتاب إلى ستة أقسام: الحاجة إلى نظام تويوتا الإنتاجي، تطور نظام تويوتا الإنتاجي، مزيد من التطوير، الجذور الحقيقية لنظام تويوتا الإنتاجي، المقاصد الصحيحة لنظام فورد، النجاة في فترات انحسار النمو.
مقدمة الناشر:
وتبدأ النسخة الإنجليزية بمقدمة الناشر والذي يبدأ بالحديث عن أونو، ويذكر أنه سأله يوما: ماذا تفعل تويوتا الآن؟ فرد قائلا: إننا ننظر إلى الوقت منذ أن يطلب منا العميل طلبا حتى الوقت الذي نحصل فيه على المقابل المادي لذلك الطلب، وكل ما نفعله أننا نخفض ذلك الوقت بالتخلص من العمليات التي لا تضيف قيمة non-value-added” وهكذا تتميز الإجابة بالبساطة -والتي هي من سمات نظام تويوتا الإنتاجي- وتبين وضوح الهدف واختلافه عن أهداف كثير من المديرين. فأونو يتحدث عن التخلص من الفواقد التي تجعل الوقت منذ أن يطلب العميل حتى يتم تسليمه ما يريد واستلام الثمن طويلا.
مقدمة النسخة الإنجليزية
يتحدث الكاتب في هذه المقدمة عن نشاة نظام تويوتا الإنتاجي وأن الباعث له كان التحديات التي قابلت شركات السيارات اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية. ويبين أن الهدف الأساسي من هذا النظام هو زيادة كفاءة الإنتاج عن طريق إزالة الفواقد وعن طريق احترام العاملين، ويعزو أصول هذه الفكرة إلى مؤسس شركة تويوتا ساكتي تويوتا Sakichi Toyoda، ثم ابنه من بعده كيتيرو تويوتا Kiichiro Toyoda أول رئيس لشركة تويوتا للسيارات.
ويبين أونو أن العالم تغيَّر ولم يعد بالإمكان أن نبيع كل ما ننتج بل أصبح علينا أن نستجيب لطلبات العملاء المختلفة وان ننتج منتجات متنوعة تناسب احتياجات العملاء المختلفة. ويعلق على سياسة الإنتاج بدفعات كبيرة موضحا أنها تتسبب في ارتفاع التكلفة، ومع ذلك فهو لا ينتقد هنري فورد والذي كان له الفضل في أسلوب إنتاج نفس المنتج بكميات كبيرة (الإنتاج الكمِّي) ولكنه ينتقد من خلفوه حيث لم يلاحظوا أن العالم قد تغيَّر وأن هذا الأسلوب الذي كان ناجحا من قبل لم يعد مناسبا للعقود التالية.
تعليقٌ على الكتاب
وبعد مقدمة الكاتب تجد تعليقا على الكتاب من أستاذ في جامعة يابانية والذي ركز في تعليقه على أن نظام تويوتا الإنتاجي قد تطور في حوالي 30 عاما، وأن نظام متكامل ولا يمكن اختزاله في نظام البطاقات Kanabn، وإنما يجب فهم فلسفة هذا النظام. ويعتبر أن هذه هي قيمة هذا الكتاب حيث يشرح الرجل الذي كان له الدور الأكبر في تطوير هذا النظام، يشرح فلسفته وأفكاره لتطوير إدارة الإنتاج.
ملاحظة حول الأسماء اليابانية
من المعتاد في اليابان أن يُكتب اسم العائلة أولا ثم الاسم الأول للشخص نفسه فيقال أونو تايتي بدلا من تايتي أونو ويقال تويوتا ساكتي بدلا من ساكتي تويوتا. وفي النسخة الإنجليزية تم اتباع الأسلوب الياباني. وفي الحقيقة فإنني – كاتب هذا الموقع- فضَّلتُ اتباع الأسلوب المعتاد في العربية فأكتب الاسم الأول ثم اسم العائلة لكي لا أسبب لّبْسا للقارئ العربي.
الحاجة لنظام تويوتا الإنتاجي:
يتحدث الكاتب في بداية هذا الفصل عن فترة أزمة البترول عام 1973م وما تبعها من ركود اقتصادي، ويبين أن هذا الركود هو الذي نبَّه الشركات اليابانية إلى مزايا نظام تويوتا الإنتاجي الذي يمكننا من إنتاج نوعيات كثيرة بكميات قليلة عن النظام التقليدي أي إنتاج نوعيات أقل بكميات ضخمة.
ويُبَيِّن أن الصناعة اليابانية كانت معتادة على مقولة: إذا صنعت شيئا، فستتمكن من بيعه، وأن هذا قد كان صحيحا في فترات الرواج الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية، ولكن الأمر تغيَّر في السبعينيات من القرن الماضي.
وأحب أن أعَقِّبَ على مقولة: إذا صنعت شيئا، فستتمكن من بيعه، حيث مازالت تسيطر على ذهن كثير من المديرين العرب الذين لم ينتبهوا إلى أن العالم قد تغير ولم تعد هناك حماية من الجمارك، ولم تعد الشركات الوطنية بمعزل عن المنافسة مع الشركات الأجنبية، ولم يعد من الممكن أن تظل تنتج نفس المنتج لسنوات طويلة بدون أن تطوره أو تقلل تكلفته. انتبهوا أيها السادة فهذا العصر قد ولَّى.
ثم يتحدث الكاتب عن أساليب إدارية وعلوم تعلمها اليابانيون من الولايات المتحدة الأمريكية مثل: الهندسة الصناعية وإدارة الجودة الشاملة ورقابة الجودة، ويوضح ان نقل هذه الأساليب والعلوم إلى اليابان قد أفاد الصناعة اليابانية كثيرا. ويتحدث الكاتب عن يوم 15 أغسطس 1945م حين خسرت اليابان الحرب، وكيف أن هذا كان عهدا جديدا لشركة تويوتا للسيارات، ويذكر أن رئيس الشركة حينئذ – كيتيرو تويوتا – طلب من العاملين اللحاق بصناعة السيارات الأمريكية في ثلاث سنوات، وإلا فإن صناعة السيارات اليابانية لن تستطيع الاستمرار.
ويذكر الكاتب أنه في ذلك الوقت كانت إنتاجية العامل الأمريكي تساوي ثمانية أو تسعة أضعاف إنتاجية العامل الياباني، فكيف لنا – أي شركة تويوتا – أن نلحق بأمريكا في ثلاث سنوات؟ ولكنه يُعقب قائلا: هل العامل الأمريكي لديه من القوة التي تفوق تسعة عمال يابانيين؟ إننا لو تمكنَّا من التخلص من الفواقد في الإنتاج فسيمكننا أن نضاعف إنتاجية الفرد عشرة أضعاف. كانت هذه الفكرة هي بداية نظام تويوتا الإنتاجي.
ولا يفوتني هنا أن أسأل القارئ العربي: هل أخذتك الغيرة حين تعرف أن إنتاجية العامل الياباني أو الألماني تفوق إنتاجية العامل في العالم العربي؟ ثم أسأل المدير العربي: هل تيٌَّنت أنك لو لم ترفع إنتاجية العامل في مصنعك ليتفوق على نظرائه فإنّ شركتك لن تستطيع الاستمرار في المنافسة؟
ونستكمل رحلتنا مع هذا الكتاب في المقالة التالية إن شاء الله لنرى كيف تمكنت تويوتا من اللحاق بالصناعة الأمريكية بل وسبقتها. وحتى ذلك الحين ربما راجعت أسلوب العمل، وفكرت في طرق للتخلص من العمليات التي لا تضيف قيمة حقيقية، وبدأت في التفكير المنافسة واحتياجات العملاء، وبدأت تقارن بين أداء شركتك وأداء الشركات العالمية.
موضوعات ذات صلة:
نظرات في كتاب: نظام تويوتا الإنتاجي -2
من مراجع المقالة:



مقال ممتع في قراءة التاريخ العلمي لتطور انظمة قوية ومؤثرة .. كنظام تويوتا .. أشكرك على مجهودك واتمنى فعلا أن أكون جزء من موقعك
شكرا جزيلا
شكرا استاذ سامح على هذا الكتاب القيم ونتمنى للصناعة العربية النهوض الى مستو الطموح المنشود
Goooood
شكرا جزيلا … وبارك الله فيكم … وفي جهودكم الكريمة .
أشكر الأستاذ سامح على هذا المقال الممتع والمفيد
كما أود أن أنوه أن هذا الكتاب يوجد له ترجمة عربية وقد قامت مكتبة جرير بترجمته
الأستاذ علي
شكرا على بيان وجود ترجمة عربية.