نستمر في هذه المقالة في رحلتنا مع كتاب نظام تويوتا الإنتاجي من تأليف تايتي أونو الذي كان له دور عظيم في بناء هذا النظام الإنتاجي، ويمكنك الاطلاع على المقالة الأولى من هذا الرابط.
الإنتاج في الوقت المناسب Just-In-Time:
يبدأ اونو في توضيح نظام تويوتا الإنتاجي فيبين أن أساسه هو التخلص من الفواقد، وأنه يعتمد على ركيزتين هما: الإنتاج في الوقت المناسب just-in-time، والأتمتة التي تمنع الخطأ autonomation. ثم يبين الإنتاج في الوقت المناسب بأنه إنتاج القطع اللازمة لمرحلة الإنتاج الأخيرة – والتي هي خط التجميع في صناعة السيارات- بالكمية المطلوبة فقط، وفي وقت الحاجة إليها وليس قبله. والبديل التقليدي لذلك هو أن تنتج كل مرحلة ما تستطيع بغض النظر عن احتياجات المراحل اللاحقة وهو ما يؤدي إلى مخزون كبير من المنتجات نصف المصنعة بين مراحل الإنتاج، وإلى إنتاج منتجات معيبة. ويوضح أونو أن الوصول لذلك بأساليب تخطيط الإنتاج التقليدية هو أمر غير ممكن لأن خطط الإنتاج لا يتم تحقيقها في الواقع كما خُطط لها نتيجة لحدوث أي مشكلة هنا أو هناك في المعدات أو الجودة أو العمالة. وبالتالي كان لزاما على أونو ورفاقه البحث عن أسلوب لتخطيط الإنتاج بديل للنظام التقليدي وبحيث يسمح بالتفاعل مع متغيرات الموقع بشكل سريع.
لاحظ هنا كيف نشأ نظام تويوتا الإنتاجي. إن الأساس هو التخلص من الفواقد، والباعث هو إنتاج منتجات متنوعة بكميات صغيرة لتحقيق سرعة دوران رأس المال ولخلق سريان المواد بين الماكينات كسريان الماء في الأنابيب. والنظرة هنا للمخزون من المواد نصف المصنعة كأحد أسباب إخفاء المشاكل وهو ما لا يساعد على حل المشاكل.
البحث عن نظام بديل لتخطيط الإنتاج
وهنا يقول أونو: إنني مُغرَمٌ بالتفكير في المشكلة مرارا وتكرارا. وهذه المقولة تبين لك أحد عناصر ثقافة هذا النظام وهي التفكير العميق في المشاكل، وعدم الاستسلام للمشكلة والتعايش معها، بل التفكير ثم التفكير ثم التفكير في حلول وأساليب جديدة. ويبين أونو أنه ظلَّ يبحث عن نظام بديل للنظام التقليدي الذي يجعل مرحلة الإنتاج السابقة تُمِد المرحلة اللاحقة بالمنتجات نصف المصنعة. فكَّر أونو أن يعكس هذا النظام بأن يجعل المرحلة اللاحقة هي التي تذهب للمرحلة السابقة لأخذ ما تحتاجه فقط في الوقت المناسب، وبالتالي فإن المرحلة السابقة لن تنتج إلا لِتُعَوِّض ما تم سحبه من إنتاجها فقط. أسلوبٌ غير معهود في الإنتاج، إنه عكس المألوف تماما فبدلا من أن تنتج كل مرحلة بقدر ما تستطيع ثم يتم دفع Push المنتجات نصف المصنعة للمراحل التالية، فإن المراحل التالية هي التي تسحب Pull من المراحل السابقة بالكميات التي تحتاجها فقط وعند الحاجة فقط.
ولكن كيف يتم التفاعل بين مراحل الإنتاج وبعضها البعض، إننا هنا لا نعتمد على خطة إنتاج وإنما خطة الإنتاج لكل مرحلة تأتيها من المرحلة التالية في صورة خطة إنتاج قصيرة جدا. من هنا جاءت فكرة البطاقات Kanban وهي عبارة عن بطاقات صغيرة تستخدمها مراحل الإنتاج لكي تعطي أمرا للمراحل السابقة لكي تنتج كميات محددة بمواصفات معينة. ويتحدث أونو عن تجاربٍ أجرِيَت على نظام البطاقات حتى تم التوصل إلى نظام محدد. ويؤكد أونو على أن البطاقات هي مجرد وسيلة لتحقيق الإنتاج في الوقت المناسب الذي هو أحد أعمدة نظام تويوتا الإنتاجي.
وبهذا النظام أصبحت خطة الإنتاج تبين احتياجات السوق من السيارات وهذه الخطة يتم إرسالها إلى آخر مرحلة إنتاج وهي خط التجميع، وبناء عليها يقوم خط التجميع بإرسال بطاقات للمراحل السابقة لإنتاج كميات محددة، وهذه المراحل ترسل بطاقات للمراحل السابقة لها لإنتاج ما تحتاجه وهكذا. وعند إنتاج الكميات المطلوبة تقوم المرحلة الطالبة بسحب هذه الكميات.
والحقيقة أن هذا الكتاب يساعدنا كثيرا في فهم كيف نشوء نظام تويوتا الإنتاجي وهو ما يجعلنا أقدر على تطبيقه في مصانعنا. فقد يكون مصنعك مختلفاً بحيث لا يوجد خط نهائي واحد مثل خط التجميع، وقد لا تكون البطاقات مناسبة لصناعتك، ولكن الفهم العميق لمقاصد نظام تويوتا الإنتاجي من خلال هذا الكتاب تساعدك على التفكير في كيفية تطبيقها بما يناسب صناعتك وبما يحقق مقاصد النظام لا التطبيق الشكلي للآليات. كما وأنك تجد قراءة الكتاب تُشجعك على عدم قبول أساليب العمل التقليدية كأمر لا بديل عنه، وإنما كما جرَّبَ أونو نظام البطاقات وسحب الإنتاج، فيمكنك أن تُجرب أنت أساليب جديدة في عملك أياً كان.
الماكينات الذكية
العمود الثاني لنظام تويوتا الإنتاجي هو الأتمتة التي تمنع الخطأ وهو ما يعبر عنه أونو بإعطاء الماكينات بعض الذكاء أو ما يُطلق عليه autonomation. والمقصود هو أن يتم تزويد الماكينة بما يجعلها تتوقف عند حدوث مشكلة ما بدلا من أن تستمر في إنتاج منتجات معيبة. والكلمة هنا تأتي من autonomous أي ذاتي ويمكننا أن نقول أن autonomation هي الأتمتة الذاتية. ويعزو أونو الفكرة لساكيتي تويوتا والذي اخترع آلة حياكة تتوقف أتوماتيكيا عند التفاف الخيط أو التحامه ببعضه.
ويوضح أونو أن كل الماكينات في تويوتا مزودة بأجهزة تجعلها تتوقف عن حدوث أي خطأ يخص المنتج أو الأمان. ولذلك فهو يسمي هذا الأسلوب الأتمتة بلمسة إنسانية أي كما لو كان هناك عامل يشاهد الماكينة ويجعلها تتوقف عند حدوث خطأ ما. ولكن الأمر هنا مختلف جدا، فبهذا الأسلوب لسنا بحاجة لعامل ليقف أو يجلس أمام الماكينة طالما هي تعمل، وإنما الماكينة تعمل وحدها ولا تحتاج لأحد إلا عندما تتوقف وحدها أتوماتيكيا لمشكلة ما. ما معنى ذلك؟ معناه أن العامل الواحد يستطيع تشغيل عدة ماكينات. هذا يعني تقليل العمالة أو بمعنى آخر زيادة عظيمة في إنتاجية العامل فهو يُشغل أربع أو خمس ماكينات -على سبيل المثال- بدلا من واحدة.
هذا التوضيح يجعلنا نفهم أنه يجب علينا قبل أن نطلب من العامل أن يُشرِفَ على تشغيل عدة ماكينات في آنٍ واحد، أن نزوِّد تلك الماكينات بما يجعلها تتوقف أتوماتيكيا عند حودث أي خطأ. وأحب أن أشير إلى أن أسلوب منع الخطأ هو جزء أساسي من ثقافة نظام تويوتا الإنتاجي، فهنا يتم منع الماكينة من الخطأ، وكذلك يتم وضع أسلوب العمل الذي يمنع العامل من الخطأ. فهذا جزء من ثقافة النظام يسمى منع الخطأ Poka Yoka.
ويشير أونو إلى أمر آخر مفيد في نظام الأتمتة بلمسة إنسانية أي توقف الماكينة عند حدوث أي خطأ، وهو أن توقف الماكينة أتوماتيكيا بدلا من قيام الشخص المكلف بالوقوف أمام الماكينة بإصلاح الخطأ، هذا التوقف يجعل المشرفين على الإنتاج يعلمون بالمشكلة وبالتالي لن يقوم العامل بحلها بأي أسلوب مؤقت، وإنما المشكلة ستظهر للجميع وبالتالي فإنهم سيجتهدون في إيجاد حل جذري لها. ويضيف أونو أنه حتى في خطوط الإنتاج اليدوية فإنه يتم التنبيه على العمال بإيقاف الخط عند حدوث أي مشكلة.
وأحب أن أضيف – كاتب الموقع وليس أونو- أن الأتمتة التي تجعل الماكينة تتوقف تُسمى باليابانية جيدوكا Jidoka، كما تجدر الإشارة إلى أنه عند توقف الماكينة أو خط الإنتاج فإن هذا يَظهر للعمال والمشرفين المتواجدين في موقع الإنتاج حيث يوجد إما مصباح يضيء عند التوقف لمشكلة ما، أو شاشة يظهر عليها رقم الماكينة أو الخط الذي توقف وهو ما يُسمى باليابانية أندُون Andon أي مصباح. وهذا الأسلوب يجعل الجميع يعلمون بالمشكلة، وبالتالي يتكاتفون لحلها حلا يمنع حدوثها مرة أخرى أي حلها جذريا بعد تفكير عميق.
لقد اكتشفنا هنا عدة أشياء في ثقافة نظام تويوتا منها سياسة الإعلان عن المشكلة بدلا من التعامل معها في الخفاء. هذا أسلوب تفكير مختلف عن الأسلوب التقليدي، فالمعتاد أن يتم الإعلان عن المشكلة بعد حلها ولو حلا غير جذري أو عدم الحديث عنها أصلا، وأما في نظام تويوتا الإنتاجي فنحن نبني النظام بحيث نعلن عن المشكلة بالمصابيح كما يعلن الأب عن زفاف ابنته بوضع مصابيح على شرفة المنزل، أي أننا كما يقولون بالعاميِّة: نقيم فرحا للمشكلة، أي نعلن عنها إعلانا يشبه الإعلان عن الأفراح. لماذا؟ لان المشكلة كلما ظهرت كلما ووجدت اهتماما وهو ما يساعد على حلها حلا يمنع تكراراها. وعلينا أن نُدرك كيف أن المشكلة في نظام تويوتا هي فرصة للتطوير لا للتوبيخ، وبالتالي فنحن نعلن عنها ولا نحاول إخفاءها. هذا يتطلب بالطبع مشرفين ومديرين لا يقومون باتهام العمال فور ظهور مشكلة، وإنما يناقشون المشكلة لكي يمنعون حدوثها في المستقبل، ويتطلب فريق عمل متعاون، وهذه أمور سيتطرق إليها الكتاب بعد ذلك.
ونستكمل رحلتنا بمشيئة الله في المقالة التالية.
موضوعات ذات صلة:

good book
معلومات قيمة … تستحق الدراسة بإهتمام … بارك الله فيكم … وفي جهودكم الخيرة .
موضوع رائع بارك الله فيك
ونظرة ثاقبة في محتوى الكتاب
وفي انتظار لجديد