نستمر في هذه المقالة في رحلتنا مع كتاب نظام تويوتا الإنتاجي من تأليف تايتي أونو، بعد أن استعرضنا في المقالتين السابقتين الباعث على بناء هذا النظام، وعملية سحب الإنتاج، والأتمتة بلمسة إنسانية.
مهارة الفرد ونجاح العمل الجماعي
بيَّنَ أونو العلاقة بين عمودي نظام تويوتا الإنتاجي: الأتمتة الذاتية autonomation والإنتاج في الوقت المناسب just-in-time، فيُشَبِّه المصنع بفريق رياضي، فالأتمتة الذاتية تعني ارتفاع مهارة الفرد (الماكينة)، والإنتاج في الوقت المناسب يعني نجاح الفريق (المصنع) في العمل الجماعي للوصول إلى الفوز. ويضيف أن الإدارة بالنظر عن طريق الأتمتة الذاتية والمصباح الذي يبين توقف الخط أو الماكينة تساعد مشرف الفريق على إعادة تصحيح وضع هذا اللاعب (الماكينة).
وعادةً ما يحضرني -أنا- تشبيه لمراحل الإنتاج بالفرقة الموسيقية، فعازف الناي يجلس عدة ساعات لكي يعزف عدة دقائق كل فترة طويلة، فربَّما قرَّرَ هذا العازف الماهر أن هذا ضياع لجهده وأن الأفضل أن يعزف لمدة ربع ساعة في بداية الحفل ثم ينصرف، وربما أضاف أنه يمكنه أن يعزف ساعة متواصلة كل أربعة أيام، ولكن هذا لا يصلح بالمرة، ولكن عازف الناي لا ينظر إلى علاقة ما يقوم به بما يقوم به الآخرون، فهو يريد أن يعمل بالطريقة التقليدية وهي أن أُنتِج -أنا- بأي كمية بغض النظر عن احتياجات وانشغال مراحل الإنتاج التالية. فسياسة الإنتاج في وقت مناسب تعني أن نجعل كل المراحل تعمل بتنسيق مع المراحل التالية كما يعمل كل أفراد الفرقة الموسيقية، وربما كان هذا من أسباب وجود بعض المقاومة عند تطبيق هذا الأسلوب لأنه خروج عن حرية كل ماكينة إلى نظام يُنسق بين كل الماكينات.
من النسيج إلى السيارات
يتحدث أونو عن أنه حتى عام 1943م كان يعمل في تويوتا للنسيج وأن هذا أفاده حين انتقل لتويوتا للسيارات، ففكرة الأتمتة بلمسة إنسانية (الأتمة الذاتية) قد تعلَّمها من من ماكينات النسيج في تويوتا للنسيج، وبالتالي بدأ عند انتقاله لتويوتا للسيارات يقارن بين أسلوب العمل في النسيج ونظيره في السيارات. ويحكي أنه في عام 1947م كان مسئولا عن ورشة تصنيع في مدينة تويوتا، وفكَّر في جعل المُشغل الواحد يُشرِف على تشغيل عدة ماكينات بدلا من واحدة- للحاق بالصناعة الأمريكية كما طلب مدير الشركة- ولذلك حاول أن يعيد تنظيم الماكينات. وكنوعٍ من التجربة قام أونو بتغيير تنظيم الماكينات من التنظيم التقليدي حيث كل الماكينات المتشابهة متجاورة فمثلا كل المخارط في مكان واحد، وكل ماكينات اللحام في مكان واحد، غيَّر ذلك إلى تنظيم حسب خطوات التشغيل بمعنى أن المنتج الذي يحتاج خراطة ثم ثقب ثم لحام، يتكونُ خط إنتاجه من مخرطة ثم ماكينة ثقب ثم ماكينة لحام. وبدأت تجربة أن يكون المشغل مسئولا عن تشغيل عدة ماكينات، وقد قوبل ذلك بمقاومة شديدة على الرغم من عدم زيادة ساعات العمل. وقد ظهرت الحاجة لعدة تعديلات في الماكينات لنجاح الأمر. وقد حاول أونو أن يكون صبورا ريثما يعتاد العاملون على أسلوب العمل الجديد.
تسوية الإنتاج
يتحدث أونو عن زيادة الطلب على عربات النقل في عام 1950م وصعوبة مواكبة ذلك حيث كان هناك نقص في الخامات والأجزاء، وترتب على ذلك أن تويوتا التي تقوم بتصنيع الهيكل المعدني (الشاسيه) اضطرت للقيام بعملها في نهاية الشهر حين اكتمل توريد المواد والأجزاء. كان الحل التقليدي لذلك هو التصنيع المبكر وتخزين كميات كبيرة من منتج كل مرحلة إنتاج، ولكن أونو ورفاقه فكَّروا في أسلوب آخر ألا وهو تسوية الإنتاج، أي إنتاج نفس الكمية كل يوم بحيث يتحقق المعدل الشهري المطلوب في نهاية الشهر. والفكرة هنا أننا لا ننتظر الطلب الرسمي للعميل وإنما نعمل على متطلبات السوق المتوقعة، ثم نقسِّم الطلبات الشهرية بأنواعها المختلفة على عدد أيام الشهر. هذا الأمر يجعلنا نتجنب الطلب المفاجئ على كمية كبيرة من جزء ما أو مادة ما. ولمزيد من التوضيح لهذه الفكرة فيمكن للقارئ الكريم الرجوع لمقالة: تسوية الإنتاج …Heijunika.
يشير أونو بعد ذلك إلا أن نظام تويوتا نشأ نتيجة للحاجة إليه، ففكرة سحب الإنتاج نشأت من الحاجة للتخلص من مشكلة الفكر التقليدي لدفع الإنتاج أي أن تنتج كل مرحلة ما تشاء بغض النظر عن الاحتياجات الحالية للمرحلة التالية، فهذا الأسلوب ترتب عليه كميات ضخمة من المخزون، وضياع الوقت في البحث وسط هذا الركام، وتلف بعض المخزون. ولتحقيق هذا الهدف أي سحب الإنتاج والاستغناء عن المخزون بين مراحل الإنتاج، فإننا قمنا بإعادة ترتيب الماكينات لخلق سريان للمنتج، ولتمكين العامل الواحد من الإشراف على تشغيل عدة ماكينات. ويؤكد في نهاية هذا الفصل أن الحاجة هي التي تدعونا إلى البحث عن نظم عمل جديدة.
التفكير العميق بمزيد من التفصيل
يبدأ الفصل الثاني من الكتاب والمسمى “تطور نظام تويوتا الإنتاجي” بشرح أسلوب “لماذا خمس مرات”، وهذا الأسلوب هو أسلوب لدراسة المشاكل حيث تسأل: لماذا حدث كذا؟ فتتوصل لإجابة أو يخبرك أحد بالإجابة وهي أن السبب هو س مثلا، فتسأل مرة أخرى: ولكن لماذا حدث س؟ فتتوصل لإجابة أو يخبرك أحدد ان ذلك بسبب ص، فتسأل مرة أخرى: ولكن لماذا حدث ص؟ فتتوصل لإجابة أو يخبرك أحدد ان ذلك بسبب ع، فتسأل مرة أخرى: ولكن لماذا حدث ع؟ وهكذا حتى تصل إلى خمس مرات. والفكرة هنا هي الوصول للسبب الجذري بدلا من الوقوف عند السبب الظاهري.
ويضرب أونو مثالا لتوقف ماكينة حيث تسأل لماذا توقفت؟ فتأتيك الإجابة: بسبب زيادة الحمل فانقطع قاطع التيار Fuse. فتسأل: ولماذا زاد الحمل؟ فتأتيك الإجابة: بسبب نقص تزييت الرولمان بلي (كرسي التحميل). فتسأل ولماذا كان هناك نقص في التزييت؟……وعند السؤال الخامس تعرف أن المشكلة كانت في طلمبة التزييت وتحديدا بسبب عدم وضع مصفاة لتفصل الشوائب من الزيت مما أدى لتآكلها فلم تقم بالتزييت كما ينبغي مما جعل الحمل يزيد. كما ترى فلو توقفت عند أول لماذا لما توصلت للسبب الحقيقي للمشكلة ولكنت طلبت تغيير قاطع التيار فقط.
ويشير أونو إلى أن بناء نظام تويوتا الإنتاجي جاء من خلال استخدام لماذا؟ عدة مرات. والحقيقة هو أن أونو لم يتميز فقط في استخدام هذا الأسلوب للوصول إلى الأسباب الحقيقية، بل إنه تميَّز بالسؤال: “لماذا” عن أشياء تعتبر بديهية وغير قابلة للنقاش. فأنت قد تستحيي أن تسأل العامل لماذا لا تشرف إلا على ماكينة واحدة؟ أو لماذا لدينا مخزون كبير بين مراحل الإنتاج؟ أو لماذا يجب أن ننتج بدفعات كبيرة؟ ولكن اونو كان يسأل هذه الأسئلة ويظل يبحث ويُنقِّب حتى يجد أن ما يُعتبر بديهي ما هو إلا عادة وأن هناك طرقا أخرى أفضل من تلك المعتادة.
أوجه عديدة للاستفادة من هذا الكتاب….
إننا في رحلتنا مع هذا الكتاب نستفيد منه من عدة نواحٍ. الأولى أننا نجد أفكارا رائعة يمكننا أن نطبِّقها في مصانعنا للتخلص من الفواقد وتحسين العملية الإنتاجية،ففكرة سحب الإنتاج والأتمتة الذاتية للمعدات والمحافظة على معدل يومي ثابت لإنتاج كل أنواع المنتجات، كل هذه أفكار يمكننا أن نسعى لتطبيقها فهي أفكار نجحت في تويوتا ونقلها العالم منها.
والثانية أننا يمكنا أن نحذو حذو أونو فنُفكِّر في “حاجتنا” وطبيعة بيئتنا الصناعية، : ما هي احتياجاتنا؟ ما هي مشاكلنا؟ هل هي نفس مشاكل المصانع في اليابان أو أوروبا أوالولايات المتحدة؟ لا شك ان هناك مشاكل مشتركة وهناك مشاكل تختلف باختلاف البلد. إننا نتعلم من تايتي أونو التفكير العميق ورفض الاستسلام لأي أسلوب عمل طالما أنه يتسبب في مشاكل واضحة. على سبيل المثال: إننا في مصر قد لا نجد العامل الماهر في صناعتنا بينما في الولايات المتحدة تتوافر عمالة مدربة تنتقل من شركة لأخرى، فكيف نحل هذه المشكلة؟ وفي الخليج يتم استقدام عمالة ماهرة ولكنها قد تترك العمل بعد عدة سنوات فكيف نتعامل مع تغير العمالة المستمر؟ إن المصانع في الدول المتقدمة يتوافر لديها موردون مهرة في مناطق قريبة منهم، ولا يتوفر هذا لنا. فكيف نحل هذه المشكلة؟
وتستمر الرحلة بمشيئة الله في المقالة التالية.
موضوعات ذات صلة:
نظرات في كتاب: نظام تويوتا الإنتاجي -1

شكرا على ترجمتك الإجمالية للكتاب.
الطريقة التي ذكرها الكاتب-أونو-في السؤال خمسة مرات هي من أجل تحرير الفكر من قيود العادات الروتينية في العمل و تجديد التفكير باستمرار في الأسباب الحقيقة للمشاكل.
و هذا بيت القصيد الذي يجب أن نعتني به أما أن يكون خمسة مرات او عشرة فليس هو المقصود, و إستطراده في هذا المثال كاد يشغل القارئ عن المقصود.
بالنسبة لواقعنا فالملاحظ أن من أكبر العوائق التي تحول دون تحرير الفكر في معالجة المشاكل أو تحرير الفكر من اجل إيجاد أفضل الحلول هو جمود المسؤولين الذين وصلوا دون كفاءة مهنية في المجال.
و حرصهم على ان لا يتجاوزهم احد و لو بفكرة أو إقتراح و إن كانوا يعلنون رغبتهم في هذه الإقتراحات في الإجتماعات الشكلية.
فصاروا بعد عجزهم عن الإرتقاء إلى مستوى عصري في تسيير مصالح المؤسسات من أكبر العوائق امام غيرهم ممن إرتقت همتهم إلى تطوير المؤسسة بالشكل المذكور في المقال.
فعقلية المدير الأرستقراطي هي الداء العضال في مؤسساتنا للأسف الشديد.
فمن حسن حظ أونو انه كان مسؤولا كبيرا في مؤسسته فكان المجال مفتوحا بالنسبة له لتحرير فكره و المخاطرة بتطبيق أفكاره.
أما في واقعنا فعليك إنتظار الفرصة لذلك و الحذر من عدم التلوث بأنواع المؤثرات السلبية المنتشرة في مؤسساتنا.
و الله المستعان.
شكرا على إثرائك للموضوع
جزاك الله خير استاذ سامح نتمنى الاستمرار
تسلموا … يحفظكم الله … ويزدكم من فضله خيرا كثيرا .
مستمتع بما سبق ومتشوق لما سيأتي
جميل أن أعرف أنك تتابع هذه المقالات. في الحقيقة موقعك أصبح متطورا وملئ بالمعلومات.
شكرا