حضرت دورة تدريبية لمدة أسبوع عن سياسة تقليل الفاقد Lean Manufacturing للسيد نيلش أرورا Nelish Arora وهو من الهند من شركة Add Value Inc. والسيد أرورا – وهو مهندس – يعمل كمدرب واستشاري وهو متخصص في سياسة تقليل الفاقد، وهو يمارس هذا العمل منذ عدة سنوات في عدة بلاد آسيوية وأفريقية مثل الهند وتايلاند والسعودية وكينيا وتنزانيا.
ورغم قراءاتي وكتاباتي ودراستي لنظام تقليل الفاقد مع بعض الممارسة، فقد كانت هناك أشياء تعلمتُها من السيد أرورا، وقدرأيتُ أن أجمعها في مقالة لتعميم الفائدة.
1- سياسة تقليل الفاقد هي حجم صغير ومنتج متنوع حسب الطلب Low volume, high variety as per demand فهذا تعريف يبين هدف سياسة تقليل الفاقد بمواكبة احتياجات السوق لمنتجات متنوعة وحاجة المصانع للتصنيع بكميات صغيرة. أعجبني هذا التعريف لأنه يبين أنك لن تكون مطبِّقا لهذا النظام ما لم تُقلِّص من حجم دفعة الإنتاج small batch وتنتج منتجات متنوعة حسب طلب السوق. فسياسة تقليل الفاقد هي خروج عن التقليد المعروف بإنتاج دفعات إنتاج كبيرة وتقليل مرات تغيير الإنتاج من منتج لآخر، وإنما هي تقصير وقت التغيير من منتج لآخر كي نتمكن من الإنتاج بدفعات صغيرة، وبالتالي تغيير خط الإنتاج من منتج لآخر كثيرا.
2- توفر المساحة هي مشكلة، بينما ضآلة المساحة ليست بمشكلة، وهذا أمر له شواهد حيث أن كل مرحلة إنتاجية لا تتوقف عن التصنيع حتى لا تجد مكانا للتخزين، ولذلك فإنه كلما توفرت مساحات خالية للتخزين كلما ازداد المخزون، ولذلك فإن المصانع التي تطبق سياسة تقليل الفاقد تحدد مساحة او حجم محدد للمخزون بين كل مرحلتي إنتاج، فهي بذلك تحاول تقليص المساحة المتاحة.
3- طريقة بيان كمية الأعمال التي لا تضيف قيمة للمنتج Non Value Added Activities وذلك بقسمة الوقت الذي تستغرقه الخامات في التصنيع (ساعات) على الوقت الذي تقضيه داخل المنشأة (شهور) فيتبين للجميع أن أكثر من 99% من الوقت هو أعمال لا تضيف قيمة، وأن العاملين هم الذين يقومون بهذه الأعمال التي لا تضيف قيمة فهذا يُخزِّن وهذا ينقل وهذا يعيد الفحص وهكذا. هذه نتيجة تجعلنا نعيد التفكير في طريقة عملنا كي لا نكون فقط مصدرا للأعمال غير المفيدة.
4- يجب أن تتعلم متى تُوقِف الماكينات عند الحاجة لذلك، وهذا تعبير جميل ربما يصدم مشاعر بعض من يعتقد أن الهدف هو تدوير الماكينة وليس تحقيق الربح، فعندما يكون لدينا مخزون عظيم فإن توقف الماكينة خير من تشغيلها. ويذكر السيد أرورا أن الحفاظ على المواد الخام على حالتها الأصلية يمكننا من تشغيلها للمنتج الذي يطلبه السوق، بينما تحويل الخامات لأي منتج بدون طلب حقيقي يجعلنا مضطرين لانتظار بيع هذا المنتج بالتحديد. وقد أوضح السيد أرورا أننا لن نحتاج أن نوقف الماكينات كثيرا لعدة أسباب منها: أننا لو كان لدينا مخزون كبير من منتج فسننتج منتجا آخر ليس لدينا منه مخزون كبير، وأن المصنع لو توقف بسبب نقص معدل البيع فإن هذا سيمثل ضغطا كبيرا على التسويق والمبيعات لزيادة المبيعات بعكس ما لو استمر المصنع في الإنتاج مع نقص البيع. ويمكن ان نضيف أننا لو أنتجنا بمعدل يساوي معدل الطلب فلا يُتوَّقَع أن نحتاج أن نوقف الماكينات.
5- Kanban بطاقة التشغيل ما هي إلا إشارة signal، وهذا فهم لحقيقة هذه البطاقات Kanban فهي مجرد إشارة لبدء عملية تصنيع كمية محددة من منتج محدد او لشراء كمية محددة من إحدى مستلزمات الإنتاج. ولاستخدام مصطلح “إشارة” فائدة عظيمة فهو يجعلنا نخرج خارج إطار البطاقات إلى إعطاء إشارة بأي أسلوب مناسب يحقق نفس نتيجة البطاقات Kanban، فمثلا يعرض السيد أرورا العديد من تطبيقات الشركات فتجد أن أحدهم استخدم جزء من المنتج كإشارة للتصنيع، وتجد أن بعضهم يستخدم الأوعية الفارغة كإشارة لملئها. ربما كانت البطاقة Kanban غير مناسبة لبعض لصناعات ولكن فلسفة البطاقة كإشارة للتصنيع أو الشراء عند الحاجة وبشكل فوري هو مناسب لكل الصناعات سواء في صورة بطاقة ورقية أو معدنية أو وعاء فارغ أو مساحة فارغة أو إشارة إلكترونية.
6- لا يمكن أن تصبح المؤسسة ذات مستوى عالمي وبيئة العمل فيها مازالت بيئة عمل في العالم الثالث، وهذا يبين ضرورة تغيير بيئة العمل إلى بيئة عمل نظيفة ومرتبة، فلا يمكن أن ننافس شركات عالمية ومكان العمل غير منظم ولا نظيف. علينا أن نعطي مزيدا من الاهتمام لبيئة العمل، فالترتيب والنظافة وتنظيم كل شيء بحيث يسهل الوصول إليه هو من اللوازم الأساسية للنجاح.
7- عندما تواجه مشكلة ولا تدري ماذا تفعل فقم بعمل 5ت أو 5S، هذه نصيحة لطيفة، ويمكننا أن نفهم مغزاها إذا تذكرنا أن عدم الترتيب وعدم نظافة مكان العمل والمعدات يجعل الوصول للمشكلة وأسبابها عسيرا، بينما النظافة والترتيب تجعل الأسباب أكثر وضوحا. فعندما تفشل في حل المشكلة ولا تدري ما تفعل، اتجه إلى عمليات تنظيف وترتيب حتى تظهر لك الأسباب بسهولة.
8- الإنتاج الزائد هو أصل كل الفواقد الأخرى، فالإنتاج الزائد هو سبب زيادة المخزون، وهذا يتسبب في إخفاء العيوب بل وظهور عيوب جديدة نتيجة للتخزين والنقل، وفواقد النقل لنقل المخزون، وفواقد الحركة للبحث في المخزون والحفاظ عليه…. هذا يلفت انتباهنا إلى أن الإنتاج الزائد هو أمر خطير يجب الامتناع عنه فهو ليس مجرد نوع من الفواقد بل هو مصدر الفواقد الأخرى.
9- التعلم بالممارسة، فقد اكتسب السيد أرورا فهما عميقا لسياسة تقليل الفاقد من خلال ممارسته لها في شركات عدة في دول مختلفة، وهو في نفس الوقت يُشجع المتدربين على البدء في التنفيذ والتعلم من خلال التنفيذ والمثابرة. ومن مصادفات الجميلة أن السيد أرورا يذكر تجاربه في تطبيق هذا النظام في بلاد نامية وهو ما يجعل المتدرب لا يستطيع أن يقول أن هذا النظام لا يصلح إلا للدول المتقدمة.
10- التصور الخاص لنظام تقليل الفاقد، فالسيد أرورا طوَّر مع الوقت نموذجا يربط بين عناصر سياسة تقليل الفواقد ويرسم خطوات للتنفيذ، فهو ليس مجرد ناقل بل هو يحاول تنظيم الموضوع في شكل يسهل تذكره وفهمه. وإن اختيار تسمية الشركة Add Value أي أضف قيمة هو اختيار موفق جدا لأن سياسة تقليل الفاقد تهدف إلى التخلص من الأعمال التي لا تضيف قيمة أي الفواقد.
علينا أن نتعلم سياسة تقليل الفاقد ونفهم مغزاها ونبدأ في التطبيق تدريجيا ومع التطبيق نتفهم امورا لم نكن نفهمها ونبتكر أفكارا لم يستخدمها أحد من قبل. علينا أن نتقبل أفكارا جديدة حول إدارة التصنيع، وأن نفكر في العمل كوسيلة للتربح وليس تشغيل الماكينات. علينا أن نجتهد كي نتطور سريعا قبل أن يأتي وقت لا نجد فيه فرصة للتطور ولا نجد طريقا إلا الاستسلام للمنافس.
ولا يفوتني أن أشير إلى حاجتنا إلى رفع كفاءة التدريب، ورفع المدرب لمهاراته، فعندما تكون ممارسا لما تشرحه فإنك تتحدث بثقة وتستطيع أن تضرب أمثلة ليست منقولة من كتاب وإنما منقولة من خبراتك، وعندما تكون متخصصا في بعض الأمور فإنك تستطيع أن بارعا فيها، ولكن عندما يتحدث المدرب في كل المواضيع فإن المتدرب يدرك بسهولة أن المدرب هو مجرد ناقل لمعلومة لا يفهم مغزاها ولا يعرف كيف يستخدمها.
روابط ذات صلة:

السلام عليكم.
اسلوبك الرائع يحببنا يوما بعد يوم في المواضيع المطروحة.
مزيدا من التوفيق.
ممكن معلومات اكثر عن الدورة ومكانها.
أسامة
شكرا جزيلا … يبارك الله فيكم .
شكرا
و جزاك الله خيرا
تلخيص أكثر من رائع للدورة التدريبية
شكرا
مقاله رائعة